07-08-2018 | 22:57
الآتون الأوكراني بين موسكو والقسطنطينية: من يمنع الانشقاق الآتي في الأرثوذكسية؟
الآتون الأوكراني بين موسكو والقسطنطينية: من يمنع الانشقاق الآتي في الأرثوذكسية؟
Smaller Bigger

الوضع الأرثوذكسي العالمي مُقلِق. وحدته الجامِعَة مُهدَّدة وهي لم تَسلَم بعد من تداعيات مجمع كريت ٢٠١٦. فطريقة تحضيره وانعقاده ومُقرّراته بحضور "بعض" وليس كل الكنائس الأرثوذكسيّة، أنتجت تعقيدات وشرخاً بين البطريركيّات الارثوذكسيّة الأربع عشرة. يبدو أننا نتّجِه في الأزمة الأوكرانيّة المُحتدمة بين قطبي الأرثوذكسية، اليوناني والروسي، لأول تطبيق لقاعِدة الأكثرية في القرارات الكنسيّة الأرثوذكسيّة الجامِعَة على حِساب مَنطِق الإجماع، المقياس الذي يجب أن يسود، منعاً للانشقاق، وبالأخص، في ما يتعلق بقرارات منح الاستقلالية الكنسيّة لمنطقة في الكنيسة الجامعة. في الظاهر، تتمحور الأزمة حول نيَّة البطريركية القسطنطينيّة بطلب من السلطات السياسيّة الأوكرانيّة مَنح الكنيسة في اوكرانيا الاستقلال الكنسي لِجَعلِها كنيسة مُستقلّة على غرار البطريركيّات الأرثوذكسية المُستقلّة الأربع عشرة. فعمليّة تبشير البلاد السلافيّة انطلقت على يَدِها من تسالونيكيّة ومن رحم المسيحيّة البيزنطيّة على يد راهبين بيزنطيين، كيريل ومتوديوس. وتضيف القسطنطينيّة أنه كان لها اليد في معموديّة فلاديمير الكبير، في 28 تموز من سنة 988، ومن خلاله معمودية روس كييف التي غيّرت كل الجغرافيا الجيوسياسيّة للمسيحيّة. وتتابع دفاعها بالقول ان مطران كييف ومِتروبوليّته كانا يتبعان لها لفترة طويلة. أما الروس فيقولون إن وهج متروبوليت كييف خفّ مع صعود روسيا الموسكوبيّة الذي لجأ إليها بعد غزوات التتر في القرن 13، واضعاً نفسه في حماية أمراء روسيا في فلاديمير أولاً، ثم في موسكو. وتنامت التبعيّة الكنسيّة الأوكرانيّة لموسكو عند نيل الأخيرة استقلالها عن القسطنطينية في 1589 كبطريركية جديدة، وزادت مع صعود قوة الكوزاك في أوكرانيا دفاعاً عنها امام غزوات التتر والبولونيّين. تبع ذلك الكثير من الكرّ والفرّ في التبعيّة بين القسطنطينيّة وموسكو، إلى أن عقد الروس مجمعاً محلياً في كييف في 1685 لتثبيت سلطة موسكو الكنسيّة في اختيار وانتخاب متروبوليت كييف الجديد. فموسكو تقول إن القسطنطينية وافقت في النهاية ونصّبت طوموس بطريركياً في أيار 1686 يؤكد سلطة موسكو الكنسيّة على كييف ويوافق على تعيين متروبوليت لها هو الذي كان قد أنتُخِب في موسكو. وتقول موسكو أيضاً إن اتفاق القسطنطينية لا يزال مُطبَّقاً منذ أكثر من 330 عاما باعتراف البطريركية المسكونيّة التي، بالرغم من كل الانشقاقات في أوكرانيا، لا تزال تعترف بالكنيسة الأرثوذكسيّة الأوكرانيّة ذات الإدارة الذاتية والتابعة لموسكو. التأرجح بدأ بسقوط الاتحاد السوفياتي واستقلال أوكرانيا في 1991، وبدأ الكلام الاستقلالي بين القسطنطينية وبعض من الأرثوذكس المُنشقين في أوكرانيا. ففي حين يعترف البطريرك المسكوني برثولماوس بحصريّة التمثيل للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية التابعة لبطريركية موسكو، أشار في أكثر من مناسبة، مُنتقداً اتفاق 1686، أن مُداخلات سياسيّة حصلت حينها مع الباب العالي وأن أحداث 1686 كانت بمثابة ضمّ لأوكرانيا. لا يَخفى اليوم على أحد أن مُحرِّكات هذه الأزمة ليست كنسيّة فقط بل تتداخل فيها السياسات العالميّة المُتناحرة، الروسيّة والغربيّة. فالرئيس الأوكراني بوروتشينكو يتحرَّك علناً، ويُحرِّك البرلمان الأوكراني والحلفاء الغربيين لنيل الاستقلال الكنسي عن الروس. فالغرب الأطلسي يُريد مُحاصرة روسيا الجديدة ومنع تمدُّدِها غرباً والأخيرة تريد كسر هذه المُخطّطات تمهيداً للسيطرة على أوروبا الشرقية ومُحاصرة أوروبا الغربية بالنفوذ والغاز. الجغرافيا الأوكرانية كانت على مرّ التاريخ أرضاً متنازَع عليها بين الشرق والغرب وكانت في صلب الجيوسياسية الروسية الحامية للعمق الروسي منذ صعود القيصرية فيها. لا ينسى الروس قول بسمارك: إذا أردتُم النيل من روسيا، أضربوها في أوكرانيا؟ سقوط روسيا القيصريّة في 1917 فتح الشهيّة الاستقلالية الكنسيّة في أوكرانيا للخروج من عباءة الكنيسة الروسيّة المُلازمة للدولة الروسية القيصرية التي اندحرت. وعادت هذه الشهيّة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي واستقلال أوكرانيا في 1991. تدافع موسكو والقسطنطينية اليوم بشراسة عن حقهما التاريخي في أوكرانيا، مُظهرين قرائنهما التاريخية والمستندات. الزيارات المَكُّوكيّة المُتتالية لوزيري خارجيّة البطريركيتين، المطرانين هيلاريون الروسي وإيمانويل القسطنطيني، مطران فرنسا، إلى الكنائس الأرثوذكسية لتجييشها، ليست إلاّ دلالة على خطورة الوضع ومُقدِّمَة للمُواجهة الكبرى. لكن في العمق، أوكرانيا ليست سوى تعبير عن أزمة الأرثوذكسيّة الجامعة. ليست أزمة وحدة ايمان، او وحدة كنائسيّة بل أزمةُ حَوكَمة كنسيّة مُرتكزة على خطيئة حبّ الأوليّة التي تضرب التكامُل بين الكنائس لمصلحة التنافس وتفتح المجال لتداخل الجيوسياسيّات العالميّة في الكنيسة الأرثوذكسية، وهي أيضاً أزمة حداثة. فالكنيسة الأرثوذكسية التي كانت شرقيّة الطابع والجغرافيا، تعولمت في القرن العشرين بالشكل من دون أن تتعولم بالجوهر والمأسسة. فبقيت حوكمتها تقليديّة من دون أية منظومة للقاءات دورية بين البطاركة للتشاور والتكامل في ما بينهم ومنع التنافسيّة التي تدفع بالكنيسة الأرثوذكسية أكثر فأكثر نحو التفكك والانشقاق، بدل التكامل، والتعاضد والوحدة. مسؤولية القيادات الكنسية كبيرة كونها لا زالت تعمل بشكل تقليدي لا يرتقي إلى مُستوى هذه الأخطار وأبعادِها. ويبقى السؤال اليوم، من يمنع الانشقاق في أوكرانيا الذي تكلّم عنه وزير خارجية بطريركية موسكو المطران هيلاريون، مقارناً إياه، إذا حصل، بالانشقاق الكنسي المسيحي الكبير في 1054؟