معرض - أحمد البحراني في "معرض آرت بازل" نسخة ميامي ينحت الإرهابيين وفي باله أن ينقذ الحياة من سوء الفهم

9 تشرين الأول 2013 | 00:53

في "معرض آرت بازل" المقبل، نسخة ميامي (هناك نسختان أخريان، الاولى في المدينة السويسرية التي يحمل المعرض اسمها والثانية في هونغ كونغ)، يعرض الفنان العراقي أحمد البحراني مشروعه النحتي الكبير الذي يحمل عنوانا افتراضيا هو: "ماذا لو". سؤال لا يستثني أحدا من قلقه وشكوكه وسخريته المريرة.

دائما كان احمد البحراني نحاتا تجريديا. أكسبه الحديد، وهو مادته المفضلة، قوة استثنائية في تلخيص فكرته. لذلك كانت أشكاله تحضر مثل ضربة موسيقى تقع في مكانها. لم يكن الخطأ مسموحا به. لم تكن يد البحراني الخبيرة تسمح بالسرد الحكائي. لا ثرثرة ولا وصف ولا مشاهد مأسوية ولا استرسال عاطفي في البحث عن المعاني. كانت أشكاله تستدرج العين إلى إيقاعها ليكون النظر بعدها مساحة لا نهائية للتأمل. كانت منحوتاته تتأنق في دوزنة صمتها.
غير أن النحات وهو ابن بلد جريح، صار مسرحا للإرهاب العالمي، لم يعد قادرا على الصمت. صار سؤال القتل أكثر الأسئلة احراجا. ينظر المرء إلى صورته في المرآة صباحا فيرى وجهَي القاتل والقتيل وقد امتزجا. تعددت صور الإرهابي، غير أن الإرهاب ظل عصيا على التعريف. ماذا يحدث لو كنا جميعا إرهابيين؟ بحجم فجاجة الواقع وقسوة الموت المجاني ستكون الصرخة.
واجه البحراني حقيقة أن التاريخ البشري لم يكتب بهذه الطريقة المدرسية. كان هناك دائما خيال يسنده في ثراء الاحتمالات البديلة، لذلك عمّق النحات صيحته لتكون حاضنة لإرهاب من نوع متخيل. لقد التقط شخصيات أحدثت عبقرية رؤاها تحولا عظيما في مفهوم الحياة ليستأنف من خلالها خطته.
ماذا لو؟ كان سؤالا افتراضيا صار على الفنان أن يواجهه بتقنية واقعية. لقد صنع النحات غابة من الشخصيات المدججة بالسلاح. إنهم الارهابيون الذين صنعوا التاريخ. على سبيل المثال، كان هناك غاندي، نيلسون مانديلا، بابلو بيكاسو، شارلي شابلن، الام تيريزا، محمد علي ورونالدو. إنها فكرة يتأسس من حولها كون جديد، بلاغته تقوم على سخرية سوداء لا تستثني أحدا من لغتها الفاحشة.
سيكون علينا أن نعترف وسط ضجيج هذه الحرب العبثية على الإرهاب، أننا نشن الحرب على أنفسنا. سيكون تاريخنا مجموعة متلاحقة من المطاردات الغامضة. مَن يطارد مَن؟ مَن يقتل مَن؟
لا يشعر البحراني بالحرج وهو يحرج النحت في الدخول به إلى منطقة تكاد تكون ضيقة جماليا. الفكرة هي التي تلهمه الصبر على جمال يمكنه أن ينتظر. في خضم عملية تصفية الحساب التي يقوم بها، يقدم النحات جردا بالأسماء التي صار عليه أن يتخيل إرهاب حامليها.
واقعياً، يتلفت الفنان من حوله فلا يجد سوى إرهابيين يشيرون إليه باعتباره إرهابياً. سيكون عليه أن يدافع عن نفسه بطريقة مكشوفة: "لستُ وحدي. إنهم معي". حينها لا يجد أمامه سوى الرموز التي صنعت للحياة معنى. هم أعداء الموت، عازفو اللحن الإلهي الجميل، قدّيسو الطهر وعبدة السعادة. سيكون الثمن باهظا. أحمد البحراني يعاقبنا. يعاقب عالماً خذله. يمكننا قراءة عمله الملحمي من جهات مختلفة. فللمعرفة مثلا إرهابها في حياة الأميين. العلم يخيف، كما الجهل تماما. اقودك من العتمة إلى النور لتعمى. هناك من يفضل الظلام. هناك من يفضل العبودية على الحرية. ما الذي كان يحدث لو أن مانديلا حمل البندقية بدلا من أن يتخذ من السجن وسيلة لتحرير شعبه؟ أكان صعبا على بيكاسو أن ينتمي إلى المقاومة ولا يرسم غيرنيكا؟ بدلا من رعاية الفقراء، أما كان في إمكان الأم تيريزا أن تذهب لقتل الأثرياء؟
لا يرغب أحمد البحراني في أن يجرّنا إلى منطقة وسطية. تطرفه واضح. إما أن تكون إرهابيا وإما أن تكون ضحية محتملة للإرهاب. شيء من داخل الصورة يمكنه أن يهيمن علينا حين يلجأ النحات إلى تقنية التكبير. ليس الشكل وحده ما يكبر أمامنا بل الحدث، بكل ما ينطوي عليه من معان.
تمارس أشكال البحراني المكبّرة إرهابنا لتكتمل الدائرة. ليس في ذهنه أن ينجو بالفن وحيداً، وإن كان لا يمكنه التفكير في حياته إلا باعتباره فناناً. أحمد البحراني يوجه رسالة من أجل انقاذ الحياة من سوء فهم صار يهددها بالفناء.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard