بعد ذكر "النهار" أمس أن الزيارة اليتيمة لبطريرك الى المملكة العربية السعودية كانت للبطريرك الارثوذكسي الياس الرابع (معوض) عام 1975، اتصل متروبوليت صيدا وصور ومرجعيون المطران الياس كفوري لافتاً الى زيارة ثانية قام بها البطريرك اغناطيوس الرابع (هزيم) في مطلع العام 1981 حيث حضر مؤتمر القمة الاسلامية الذي كان مخصصاً للقدس، وألقى كلمة تناول فيها الشأن اللبناني أيضاً. هنا عودة الى بعض ما كتبته "النهار" آنذاك (20 كانون الثاني 1981):
"في القدس نلتمس وجه الله
وفي لبنان نلتمسه كذلك"
خطاب البطريرك في الطائف
قال البطريرك اغناطيوس الرابع لـ"النهار" ان خطبته في الطائف كانت للشهادة... ولعلها كانت في الشهادة فيما "هاجس المؤتمر تضميد جراح الاخوة".
وأضاف البطريرك أنه حرص على الكلام على لبنان، في مؤتمر كان مخصصاً للقدس، نظراً الى ما بين القضيتين من علاقة لعلها بعض من صلة الانسان بالله، مكرراً ما جاء في خطبته: "القدس ولبنان في دنيا العرب قطبان وركنان وضرورتان لكل سلام".
واذا سئل البطريرك هل يعتبر أن لبنان نال من المؤتمر أكثر من "التأوه والتأسي"، يجيب أنه هو كان في المؤتمر مراقباً وليس شريكاً، جاء لشهادة أداها، وسعادته بأنه لمس التجاوب مع كلمته، والتجاوب هو مظهر "المحبة" التي "تشفي الجراح"، الآن "حلاوة لقيا المسيحيين والمسلمين فيه لا تضاهيها حلاوة"... ولذلك "نلتمس في لبنان، كما في القدس، وجه الله... فوحدتنا متأثرة بوحدة لبنان، وعافيتنا من عافيته... وعافيته حق له، وسلامه حق له".
ولم يكتم البطريرك سائليه أنه، على كونه كان مراقباً، قد اغتنم المناسبة لاجراء بعض الاحاديث العامة، أبرزها مقابلته للملك خالد والأمير فهد، وكذلك لقاءات في الأروقة وكلام بعد القاء الخطبة. وقال انه لمس من الجميع "ترحيباً بالحضور المسيحي وبتعلق المسيحيين المشرقيين بدورهم الخاص في القدس، فضلاً عن التأثر بالصوت الذي ارتفع من أجل لبنان، الذي نحمله في قلبنا".
وبالفعل، يقول الذين شهدوا المؤتمر، ان التصفيق الذي قوبلت به خطبة البطريرك كان نادراً وبليغاً، وقد قام أكثر من رئيس دولة من مقعده لمصافحة البطريرك وهو يعود من المنبر الى مقعده، أولهم الملك الحسن الثاني الذي سُمع يقول للبطريرك: "هكذا هكذا، أو لا فلا". وسقطت كل الحواجز التي كانت تفرق احياناً بين المؤتمرين، فمن لقاء مع الرئيس حافظ الاسد الى كلام مع الرئيس صدام حسين الى حرارة التهنئة من الملك حسين والسيد ياسر عرفات، فضلاً عن عناق طويل مع الرئيس شفيق الوزان. غير أن ما تأثر به البطريرك، أكثر ما تأثر، يوم كانت مخابرات هاتفية من ناس عاديين من كل الجنسيات تلقاها في مقصورته، تدل كم ينفذ الكلام الصريح المؤمن الى القلوب.
وهنا النص الكامل للخطاب:
"أصحاب الجلالة والسيادة والفخامة والسمو والسماحة، أيها الأخوة.
في لقاء كريم كهذا يحلو لي أن أحييكم باسم المسيحية المشرقية.
فالمسيحيون المشرقيون مثلكم ينشدون وجه الله، وفي نوره تعالى يسعون الى اصالة الانسان وحريته، والفرح يملأ قلوبهم ويتعاظم كلما شهدوا في شعوبكم ازدهاراً واندفاعاً وراء الحق والعدل. فالعدل قبس سماوي، وتقرب الى الله، واعراب عن الطاعة الحقيقية للذات الالهية.
اننا مثلكم توّاقون الى خالق السماوات والارض وملتمسون الرضى الالهي في كل زمان. ومن فيض هذا الرضى نستمطر غيثاً من البركات على كل مجاهد ومناضل من أجل احقاق الحق ونبذ الباطل. ولا يُضعف من عزيمتنا أن يكون للباطل جولات وصولات، فإيماننا ثابت كالجبال بأن الباطل مآله في النهاية الى زوال.
انه لمن دواعي الغبطة أن نكون معكم في هذه الديار الكريمة لنقول ما في قلوبنا من شعور وآمال. فالشكر الجزيل لمن ادى لنا هذه المكرمة – جزاه خيراً رب المكرمات.
هاجس المؤتمر تضميد جراح الاخوة. فما أشرفه هاجساً وما أسماه. ونحن معه ندعو العرب بكل جوارحنا ليمد يد رحمته ويوقف كل نزف ويشفي كل جرح.
القدس – ايها الاخوة – قلب انسانيتنا. وما يصيبها يصيب كل بشري بمقدار. فأكرم بمؤتمر القدس نقولها احتراماً واكباراً.
عهدنا مع القدس عهد طويل، نحن نصلي وهي مدينة الصلاة. ولنا بها صلاة روحية ايمانية أبدية. وفيما يرفع العبادة الى الله كل عبّاد الاله الواحد الاحد، وفيما يلتقي المصلي أخاه المصلي ويتعرفه: أن للقدس وجهاً روحياً دينياً انسانياً، لا سمح الله بأن يمسي مجرد شأن سياسي.
الفلسطينيون أصحاب البيت. فكيف يجوز تحويلهم في بيتهم الى زائر وعابر سبيل؟ وكيف لا يكون لهم في القدس حق الوجود والبقاء؟ القدس قدس اذا كانت المدينة والشعب، لا المدينة بدون الشعب ولا الشعب بدون المدينة. وان كان الله قد افتقد الشعب الفلسطيني بالانتشار لزمن، فذلك لا يعني أنه فقد رباطه بمكان به تقدس، والذي حج وفيه ناجى ربه على أفضل ما يمكن من المناجاة.
القدس لأهلها لا للعنصرية. فالعنصرية في القدس – كما هي في كل مكان – لطخة في جبين الحق والعدالة.
في القدس نلتمس وجه الله، وفي لبنان نلتمسه كذلك.
لبنان دمه يسيل وجراحه أعظم بكثير من أن تندمل بالتأوه والتأسي، وأنه يتوقع من أشقائه محبة تشفي جراحه في الواقع. والمحبة أصلاً لا تكال بالكيل ولا تقاس بالمقادير.
لبنان دفء للجميع ومكان تلاقي الافكار وتفاعلها لتصبح كلها للكل. وحلاوة لقيا المسيحيين والمسلمين فيه لا تضاهيها حلاوة.
انه غاية ومرام، منبر للابتكار والخلق ووجه مشرق باسم للجميع، بل انه عنصر تعزية للجميع. وحدتنا متأثرة بوحدة لبنان. وعافيتنا من عافيته. ووحدته حق له، وعافيته حق له، وسلامه حق له.
ايها الاخوة.
ان لبنان اليوم يناجي القدس في فرادته وأصالته، والقدس اليوم تستدعي لبنان في فرادتها واصالتها. والقدس ولبنان في دنيا العرب قطبان وركنان وضرورتان لكل سلام.
آمالنا بكم كبيرة لان ثقتنا بكم عظيمة عظم محبتنا. فالله نسأل أن يغمركم بغيث نعمته، وادعية المؤمنين ترافقكم. كان الله معكم".
نبض