ليس ثمة ما يدعو الى العجب في لبنان. ولا يشكل احتمال الغاء الانتخابات الفرعية الواقعة الاولى التي تخالف السلطة من خلالها استحقاقا دستوريا انتخابيا.
اليوم، عاد الحديث بقوة عن الغاء الانتخابات الفرعية التي يفترض ان تجرى في ايلول المقبل، بحيث يفترض ان يدعو وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، الهيئات الناخبة في آخر مهلة اقصاها 17 آب الجاري.
في الدستور، المادة 41 واضحة، وتنص حرفيا على انه: "اذا خلا مقعد في مجلس النواب، يجب الشروع في انتخاب الخلف خلال شهرين. ولا تتجاوز نيابة العضو الجديد اجل نيابة العضو القديم الذي يحل محله. اما اذا خلا المقعد في المجلس قبل انتهاء عهد نيابته بأقل من ستة اشهر، فلا يعمد الى انتخاب خلف".
وبالتالي فان الغاء الانتخابات الفرعية الحالية يشكل مخالفة صريحة للدستور، فهل يرتب اي تداعيات؟
يعود الاستاذ في القانون الدستوري عصام اسماعيل الى تاريخ 27 كانون الاول 2006، حين قدم 28 نائبا عريضة الى رئيس مجلس النواب نبيه بري، "تتهم رئيس الجمهورية آنذاك اميل لحود بخرق الدستور".
يومذاك، أعدّ حزب الكتائب العريضة وأيدتها قوى 14 آذار، وكانت تتعلق حصرا بدعوة الهيئات الناخبة لانتخاب خلف للنائب الشهيد بيار الجميل وبخروق واضحة للدستور، وخصوصا المواد 41 و60 و24.
اسماعيل يستند الى هذه العريضة، وهو زوّد "النهار" إياها ليشرح ان "عدم اجراء الانتخابات الفرعية يؤدي الى عدم مشروعية مجلس النواب ككل".
يقول اسماعيل لـ"النهار": "هذا الاجراء، اذا تم، يحرم ناخبين معيّنين اختيار ممثلين لهم، وهذا ما يشكل مخالفة دستورية واضحة، لان الشرعية لا تتعلق فقط بعدد النواب انما بتكوين مجلس النواب الكلّي".
في نص العريضة اشارة واضحة تقول ان "عدم اجراء الانتخابات الفرعية يعرّض عمل مجلس النواب للخلل بسبب فقدان احد اعضائه وانعكاس ذلك على العمل فيه"، وتستند العريضة ايضا الى المادة 34 من الدستور التي تعتبر انه "لا يكون اجتماع المجلس قانونياً ما لم تحضره الأكثرية من الأعضاء الذين يؤلفونه وتتخذ القرارات بغالبية الأصوات". فأي قانونية تلك لاجتماع مجلس النواب، وهو يفتقد الان ثلاثة اعضاء فيه، مما يرتب ايضا خللا فاضحا في التوازن السياسي والطائفي؟
يومذاك، "هرب" المجلس الدستوري من هذه المطالعة او العريضة، ولم يبتها، الا ان المخالفة الدستورية بقيت واضحة، تماما كما مشروعية مجلس النواب "المهدّدة".
مواعيد وسابقة
في 30 ايار 2016، قدم النائب روبير فاضل استقالته من المقعد النيابي في طرابلس، فشغر المقعد النيابي الاول.
في 31 تشرين الاول 2016، انتخب النائب عن مقعد كسروان ميشال عون رئيسا للجمهورية، فشغر المقعد الثاني.
وفي 5 كانون الثاني الفائت، توفي النائب بدر ونوس، فشغر المقعد الثالث.
ولعلّ دائرة كسروان قد تكون ضحية دائرة طرابلس، لكون الجميع "يهرب" من الاستحقاق الفرعي في عاصمة الشمال، اكثر منه في دائرة كسروان، اذ ان غالبية القوى السياسية هناك، وفي مقدّمها الرئيس سعد الحريري، غير متحمسة البتة لاجراء الانتخاب.
وعلى رغم بعض الاجتهادات او التحاليل السياسية التي تعتبر ان مقعد كسروان ليس شاغرا، بحجة انه لم تقع فيه حالة وفاة ولم تحصل استقالة، بل ان النائب تحول من موقعه النيابي الى المركز الرئاسي الاول، فان الدستور واضح في هذا المجال.
يعلّق اسماعيل: "هناك نص صريح يفيد بأنه لا يجوز الجمع بين الوظائف العامة، وبالتالي فان المقعد النيابي في كسروان شاغر حكما". ويخبر واقعة تؤكد هذا الامر، اذ يتحدث عن حادثة تعود الى زمن الاستقلال، وتكشف انه "حين اعتقل قادة الاستقلال، تمّ تكليف النائب اميل اده رئاسة البلاد، انما وخلال اول اجتماع لمجلس النواب بعد الاستقلال، اعتبر اده مستقيلا حكما لانه تولى مهمات رسمية، وبالتالي فان مقعد كسروان شاغر الان".
... وبعد، هل من خطوة يمكن ان تتخذ في حال الغاء الانتخابات الفرعية؟
يجيب اسماعيل: "لا بد من مساءلة الحكومة، بحيث يتوجب على النواب مساءلة رئيس الحكومة ووزير الداخلية معا، لان ثمة مخالفة دستورية وامتناعا عن القيام بالواجب".
دائماً الدستور واضح، انما في السياسة يسأل دائما عن المخرج. فأي "طبخة" ستطبخ الان لتمرير الغاء الانتخابات الفرعية؟ والاهم هل يضرب الالغاء مشروعية مجلس النواب ككل؟
Twitter: @mchaaya
نبض