صباح "النهار": نتنياهو ينفي وقف النار في لبنان... حرب ترامب تنتهي وحروب إسرائيل تستمرّ!

السعودية والشيعية العراقية: "تَعارُف" حتى الاعتراف
Smaller Bigger

طال عدم قبول المملكة العربية السعودية بـ"التحول الطائفي" الجوهري الذي حصل في العراق بعد عام 2003. تظهر حاليا تباشير القبول الذي يشبه الاعتراف بشكل تدريجي واختباري وبطيء منذ إعادة فتح سفارتها في بغداد عام 2015. لا أتحدث هنا فقط عن الاعتراف الديبلوماسي. بل عن الأعمق من حيث هو إمكان "تطبيع سياسي" يتجه نحو أن يصبح في "المستقبل" جزءا من نظام إقليمي ليس مكرّساً بعد ولا يبدو ممكناً تكريسه النهائي لأن المنطقة كلها هي في أوج تحولات بل في أوج فوضى غير خلاقة.  

صحيح أن القيادة السعودية تخوض مواجهاتٍ منذ العقد المنصرم مع كل أنواع "الشيعيات السياسية" في المنطقة وبصورة رئيسية في العراق وسوريا ولبنان والبحرين واليمن، إلا أن كل هذا الخط السياسي المبني على استراتيجية كاملة ما كان ليحصل منذ منتصف العقد المنصرم لولا التغيير الذي أتاحه الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

إذا كان يمكن وصف الاختراق السياسي الإيراني الهائل للشيعية العربية بعد عام 1979 ومن خلالها للنظام الإقليمي العربي والمبني في العمق على إعادة تشكيل أيديولوجية سوسيولوجية من قرى البحرين إلى قرى جبل عامل فإن "درة التاج" العربي لـ"الإمبراطورية" الإيرانية هو العراق. كل الشيعيات السياسية الأخرى من دون الشيعية العراقية إمكاناتها محدودة قياسا بإمكانات الكتلة الشيعية العراقية المتشكِّلة من أكثر من عشرين مليون نسمة. لا شيعية عربية من دون الكتلة العراقية. حتى الكتلة الشيعية اللبنانية على أهميتها والنجاح الاستثنائي للاستثمار الإيراني فيها عبر "حزب الله" لم تكن لتصبح بالأهمية الداخلية اللبنانية ولا الاقليمية لولا التحول العراقي.

في العراق ببساطة نشأت دولة شيعية. في لبنان من المستحيل أن تنشأ لأن "حزب الله" والحضور الفئوي الشيعي مهما بلغا من القوة هما داخليا جزء من توازن مجموعة طوائف - طائفيات تمثل نظامه السياسي التعددي. وبالتحديد جزء من رباعي متين لا يمكن اختراقه مسيحي سني شيعي درزي ويقوم حاليا على ديناميكية مسيحية اجتماعية، وديناميكية عربية سنية، وديناميكية أمنية شيعية، وحالة تماسكية درزية. ومن وجهة نظري، إذا وضعنا السياسة السياسية جانبا، فإن الكتلة الداخلية الأقوى في لبنان هي الكتلة المسيحية بمعايير ما فوق السياسة.

لذلك تستمد العلاقات السعودية العراقية بأشكالها المختلفة أهمية خاصة في رؤية إمكان قيام نظام إقليمي مستقر على المدى الأبعد أو إمكان قيام نظام إقليمي جديد ولو غير مستقر.

إذا كنا ذاهبين على مزيد من المواجهة السعودية الإيرانية من الصعب أن يكتمل التحول السعودي من حيث اكتمال الاعتراف بـ"الدولة الشيعية" في العراق.

للجيل السابق الذي عايش تأسيس العلاقات العربية العربية بعد الحرب العالمية الأولى كان من الصعب جدا على الدولة السعودية بعد انتقالها من سلطنة إلى مملكة في الثلاثينات من القرن العشرين أن ترتاح مع الكيان العراقي تحت الحكم الهاشمي السني فكيف مع الحكم الشيعي في القرن الحادي والعشرين؟ لم يكن ذلك فقط بسبب الخصومة الحجازية مع الهاشميين التي حسمها السعوديون ولكن بسبب طبيعة تكوين الكيان العراقي "الجديد" يومها والذي كانت بريطانيّتُه تتركّز مقابل تبلور أميركيّةِ الحالة السعودية التي كانت الحلقة الأهم التي بُني عليها النظام النفطي العالمي في القرن العشرين.