وزير الدفاع الأميركي طلب من رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج التنحي والتقاعد الفوري

زلزال سياسي أم صمود التسوية؟ ماذا عن اليوم التالي بعد المعركة؟
Smaller Bigger

قد تكون هناك مخاطرة واسعة ومتسرعة في محاولة استكشاف مرحلة ما بعد معركة جرود عرسال الجارية منذ ايام قبل اكتمال ملامحها الميدانية على مختلف محاورها السورية واللبنانية. ولكن ذلك لا يمنع الاتكاء على مجموعة عوامل بارزة تبدو في معطياتها الراهنة كافية لبلورة رسم أولي للمشهد الداخلي الذي سيعقب هذه المعركة متى انتهت، اللهم ما لم تنشأ في ارض الميدان او خارجه مفاجآت من العيار الثقيل، وهو الامر الذي يوجب التحسب له باستمرار خصوصا لجهة المواجهة المفتوحة مع الارهاب في الداخل وإمكان تعرض الجبهة الداخلية لعمليات ثأرية ارهابية.  

 والحال ان المشهد الداخلي عكس بعد ايام منذ بدء "حزب الله" والنظام السوري الهجوم من الناحية السورية في اتجاه الجرود اللبنانية لوحة غريبة في مفارقاتها بدت معها تداعيات المعركة أشبه بالصور التي تنقل واقع لبنان مشطورا بين مهرجانات فنية تجري على مقربة من الحدود الشرقية مثل مهرجانات بعلبك وزحلة في اللحظة نفسها التي تنقل صور الاعلام الحربي لـ"حزب الله" عن مجريات هجومه الزاحف في الجرود المتداخلة عند الحدود اللبنانية السورية. بطبيعة الحال تزول برودة التعامل الداخلي مع الحدث الدائر في الجرود البعيدة والنائية امام وقائع تشييع مقاتلي الحزب لان مسألة الاستشهاد هنا تبدأ باتخاذ ابعادها الثقيلة ان في الابعاد الاجتماعية والسياسية او في البعد الذي سيبدأ يرسم مرحلة ما بعد معركة الجرود. الحزب يلعبها "سولو" اي منفردا على أرض الميدان السوري واللبناني فيما كل الدولة اللبنانية تترقبه وتنتظره وتصمت في تعبير غير مسبوق عن تسليم واقع التسوية الداخلية المولودة منذ انتخاب الرئيس العماد ميشال عون بهذا الخيار. ثمة من يعتبر الايام الاخيرة من مجريات المشهد اللبناني التعبير الاكثر افصاحا عن ثبات هذه التسوية التي لم تهتز ولم تتداع بفعل انفراد الحزب هذه المرة ايضا بقرار حربي قتالي يعني لبنان ومناطق لبنانية في الصميم. واذا كان هذا البعد يعني في المقام الاول الاطراف السياسيين الآخرين من خصوم الحزب التقليديين كما ايضا من حلفائه الذين لم يخرجوا بدورهم كثيراً عن دائرة المراقبة والصمت، فان الحزب ايضا بدا في دائرة الرصد الثانية الأبعد من الميدان لجهة ترقب سلوكياته حيال زيارة رئيس الحكومة سعد الحريري لواشنطن. تصاعدت لهذه الجهة وجهة نظر وجيهة جدا تقول ان المعركة اساسا وضعت لحسابات الجبهات السورية بالكامل، اي ان البعد المتصل بمرحلة ما بعد الاتفاق الاميركي - الروسي حول الجنوب السوري وترتيب الاوراق الاخرى في الجبهات السورية طغى ويطغى على كل بعد آخر لمعركة الجرود. وتبدو جهات لبنانية عديدة كأنها تتعامل مع التطور الحاصل من منظار الفصل بين حسابات الحزب في الجرود والخط الذي يطمح اليه لوصل مناطق نفوذه بمناطق سيطرة النظام السوري وحساباته في الداخل السياسي اللبناني. وهذا تطور غير مسبوق في نظرة جهات لبنانية الى الحزب تشوبه مغامرة كبيرة وغير مضمونة النتائج ابدا لان الحزب متى انتهت المعركة لمصلحته وبإعلان "نصر الهي" جديد في آب ايضا لا ندري كيف سيسيل هذا النصر تكرارا في البعد الداخلي الا اذا كانت هناك "بنود سرية" أخرى في التسوية الداخلية لم تكتشف بعد. المتفائلون لجهة عدم ترقب تداعيات كارثية او سلبية كبيرة لمجريات ما يجري وخصوصا لجهة ظهور الدولة والعهد والحكومة مظهر المنتظر "حزب الله" ومآل معركته يعتقدون ان الدور المحوري الذي قام ويقوم به الجيش اللبناني، حتى لو لم يرضِ كثيرين من زوايا معايير مختلفة، يتمثل هذه المرة في انه يحرس الجبهة الداخلية ويمنع إقحامها في التداعيات الميدانية والامنية وعزل الداخل عن الجرود وما بعدها. واذا مرت الامور من دون كوارث محتملة في المخيمات السورية اللصيقة لعرسال فان ذلك سيخفف وطأة الوقع السلبي "السيادي" لافتقاد حضور الدولة امام طغيان الهجوم والحضور الإعلامي والدعائي المتصاعد لـ"حزب الله". اما من جهة خصوم الحزب التقليديين فالحق يقال ان الاحراج الكبير يحاصرهم اليوم مثلما يحاصر مراجع الدولة نفسها حتى لو كانت الحرب على الارهاب والتنظيمات الارهابية تبرر الكثير في الداخل والخارج. ولكن ثمة ما يتردد في كواليس الداخل ويستدعي التوقف عنده لجهة استبعاد ان تؤدي هذه المعركة الى زلازل سياسية شبيهة بما مر سابقا سواء عقب حرب تموز الإسرائيلية على لبنان او لدى بداية تورط "حزب الله" في سوريا لان حسابات المعركة الحالية لا تسمح ولن يسمح لها ان تطيح التسوية الداخلية. ومع ذلك المعركة في مطالعها وما يحمله الميدان يبقى العامل الاول والأخير في استكشاف النتائج فكيف حين يكون الامر متصلا بخرائط وحسابات استراتيجية كتلك التي يتحرك على اساسه "حزب الله" اللاعب المنفرد والاقوى اطلاقا في التحكم بالمصير اللبناني؟

[email protected]