ملفّ خاص من "النهار": "ساعة صفر اقتصادية؟"

"تحرير" جرود عرسال قريباً على يد "حزب الله"
Smaller Bigger

الدول المعنية بلبنان والمهتمة به تشعر بشيء من الارتياح لأنه تمكّن من المحافظة على استقراره الأمني وسلامه السياسي - المؤسساتي على رغم الحرب المشتعلة في سوريا منذ عام 2011، بل على رغم "تدخل" فريق لبناني وازن جداً فيها عسكريا إلى جانب نظامها ورأسه بشار الأسد، وعلى رغم رفض فريق لبناني آخر وازن بدوره هذا التدخل وتعاطفه مع الثوار السوريين وانخراطه في البدايات معهم تشجيعاً وتمويلاً وتنظيماً وحتى قتالاً. لكن القلق لا يفارقها. أولاً لأن الدولة اللبنانية إسمية فقط ولأن شعبها حولته الطائفية والمذهبية شعوباً تقاتلت في السابق مدى نيف و15 سنة، ولا تزال تتقاتل اليوم وإن بالسياسة، وستبقى على هذه الحال الى أن تنتهي المحنة السورية بتسوية، بل ربما الى أن تنطفئ النار المشتعلة في المنطقة ويسفر تدخل الكبار في العالم عن نظام إقليمي جديد مضمون عالمياً. علما أن ذلك لا يضمن إطلاقاً أن يكون اللبنان الذي سيبقى بعد اطفاء الحريق مناسباً للبنانيين أو لكل شعوبهم او موحّداً لها. كما لا يضمن انتقال الدولة فيه من حال الفشل التي عاشتها منذ عقود ومن حال الزيف التي تعيشها حالياً إلى حال أفضل. إلا أن ذلك كله لا يزال بعيد الحدوث. لذلك فان ما يهم اللبنانيين هو استمرار أمنهم الهش وسلامهم السياسي – المؤسساتي الأكثر هشاشة وفساداً. 

هل من شيء يقلق شعوب لبنان حالياً؟

يقلقها وجود بؤرتين أمنيتين خطيرتين قد يؤدي انفجارهما بطريقة غير محسوبة الى مضاعفات أمنية وسياسية داخلية خطيرة. الاولى تحوُّل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في بلادها وفي مقدمها "عين الحلوة" ملجأ ليس فقط لكل الخارجين على القانون من لبنانيين وغير لبنانيين، بل أيضا للتنظيمات الاسلامية المتشددة والمؤمنة بالعنف المفرط سبيلاً وحيداً لتغيير المنطقة ولمناصريها ومقاتليها الذين نفذوا عمليات إرهابية، والذين يستغلون وجودهم الآمن فلسطينياً للتخطيط لعمليات أخرى أشد خطورة.

أما البؤرة الثانية، فهي بلدة عرسال البقاعية أو بالأحرى جرودها حيث ينتشر مئات وربما أكثر من مقاتلي التنظيمات المتطرّفة مثل"داعش" و"جبهة النصرة" و"سوريا الشام". فعرسال البلدة تحولت في بدايات الحرب السورية مكاناً مرحَّباً بالثوار على نظام الأسد لاعتبارات متنوعة بعضها مذهبي. ولم يكن ذلك عيباً لأن شركاءهم في الانتماء المذهبي في لبنان شاركوهم في مشاعرهم، كما لأن شركاءهم في المواطنية المنتمين الى مذهب آخر مختلف أو "مخالِف" كما يسمى مالت مشاعرهم وبحدة الى النظام وللأسباب عينها. ولكن مع الوقت وبعد سلسلة أحداث مأسوية تعرض لها أهل عرسال والقوى الأمنية على أيدي مقاتلي التنظيمات المتطرفة وعقب قرار الدولة المسنود دولياً، وبعد التطورات المتناقضة التي شهدتها الحرب في سوريا، هدأ العرساليون وإن لم تتبدل مشاعرهم السياسية – الوطنية – المذهبية، ورحبوا بالقوى الأمنية في بلدتهم وبالجيش في محيطها. لكن كلفة الحرب السورية عليها كانت باهظة. فمن جهة يفوق عدد مخيمات النازحين السوريين فيها الـ 100. ومن جهة أخرى يقيم في جرودها مقاتلو التنظيمات المتطرفة. ويرى عارفون كثيرون أن قاطني المخيمات هم في معظمهم عائلات المقاتلين. وقد جعل ذلك الاتصالات بل الزيارات سواء للراحة او للتفقّد أو للعمل التنظيمي والأمني والتمويني بين المقاتلين والمخميات ومع "الأنصار" والمؤيدين في عرسال البلدة على عدم ضخامة حجمهم، جعلها سهلة وممكنة. وربما هذا ما دفع وزيراً بارزاً الى القول قبل بداية العهد الرئاسي الجديد إن عرسال محتلة أو بالأحرى خارج سيطرة الدولة. بؤرة التوتر المستمر هذه تضاعف القلق من خطرها بعدما كشفت العملية العسكرية الاستباقية الأخيرة في مخيمين بالمنطقة التداخل العميق بين النزوح السوري والإرهاب وبالأدلة الحسيِّة الملموسة.

إضافة الى ذلك، يثير قلق اللبنانيين ومعهم الدول المعنية بلبنان أو المهتمة به احتمال نشوب الحرب بين "حزب الله" - الذي كان قوة لبنانية عسكرية مهمة أنهت احتلال إسرائيل لأجزاء من لبنان، والذي صار بعد تدخله في سوريا قوة اقليمية مهمة جداً وذات خبرة في الحرب النظامية كما حرب العصابات - وإسرائيل. فالأخيرة تهدِّد بحرب مدمّرة للبنان ومؤسساته ومرافقه إذا نفذ "الحزب" عملية ضدها. وتهدّد أيضاً بالويل والثبور وعظائم الأمور إذا استمر مسيطراً على الجانب السوري غير المحتل من الجولان، وساعياً الى ربطه بجبهة لبنان معها الممسك بها.

بؤرثتا التوتّر هل تنفجران؟

هل تنفجر بؤرتا التوتر المشار إليهما أعلاه؟ وهل تنشب حرب "حزب الله" – إسرائيل واستطراداً لبنان وعلى نحو أقسى وأشدّ من حرب الـ 2006؟