نايلة تويني تحمل إرث الأجيال

الرصاص، احتفاء بالعلم
Smaller Bigger


تعددت الذرائع الايديولوجية لإشعال الحرب العام 1975. كانت أولاها اتساع الهوة بين الذين يملكون والذين لا يملكون. وبدأت الشرارة الأولى في تظاهرة لصيادي الاسماك في صيدا احتجاجاً على تأسيس شركة "رأسمالية" للصيد. وأثيرت أيضاً مسألة أكواخ الصفيح، التي تزنر العاصمة، فيما ترتفع المباني العالية. وقامت تجمعات سياسية مختلفة تعمل على اسقاط النظام لأسباب سياسية واجتماعية وقومية، تبدأ بتحرير فلسطين، وتنتهي بتحرير العامل اللبناني من نير الاستغلال. وعلى سبيل المثال، اعتبر معمل غندور للسكاكر، وصمة رأسمالية، فأحرق. وبين الذين كتبوا افتتاحية في "الملحق" تنديداً بأصحابه وامثالهم، هذا القلم. 

لم نكن في حاجة إلى الحركة الوطنية لكي نقف مع البسطاء، فنحن منهم، تذكارهم في طفولتنا. وكنا نحلم، مع الحالمين، بردّ المظالم دون عنف ودمار وديماغوجيات واشتعال حروب الطوائف. لكن قرار الحراب والخراب كان أكبر من الجميع، صحَّت الذرائع أم افتُعٍلَت. والخيار الممكن الوحيد كان عدم المشاركة فيها. شقيقي قال "لن أدفع حتى ثمن روزنامة يشترون بها رصاصاً".

لم يتغير النظام، لكن تغير أصحابه. والذين كانوا يريدون تحرير فلسطين منعوا ياسر عرفات من حضور القمة العربية في بيروت حتى عبر "سكايب". وبدل أكواخ الصفيح التي كانت تزنر بيروت، ترتفع في شوارعها وازقتها ناطحات سحاب متلاصقة، لا تترك مجالاً لرصيف واحد. نحن المدن الوحيدة التي ليس فيها مارة: إما سيارات وإما معتصمون.

الفارق بين الذين يملكون والذين لا يملكون تضاعف عشرات المرات. الفارق بين مستويات الحياة شبيه بايام القياصرة و "المرابعين". اعداد القصور المطلة على الأكواخ تزداد قحة وتحدياً. أرقام الفساد مثل نسب الاهتراء الاجتماعي، أو أكثر. الشكوى العمالية والنقابية أعمق وأمرّ ألف مرة. والغطرسة التي تواجهها لا تُصدق. ولا تُصدق ايضاً اللامبالاة التي يعامل بها الاثرياء الجدد قدامى الفقر واليأس والباحثين عبثاً عن سارية، دولة، أو مؤسسات، أو حركات اجتماعية.

مرتكبو الماضي كانوا يستحون قليلاً مهما فعل فيهم البطر، كانوا يحاولون تهذيب مظاهره. كانت علاقتهم بالناس أكثر خَفَراً. ولم تكن القسوة قد تفشت بحيث يُقتل مستجير أمام الناس في شوارع الاشرفية. أو كفرذبيان. أو الدورة.

هذا الذي يحدث في لبنان ليس نتاج القصور الأمني، بل النتيجة المباشرة للفجور النفسي. هل يمكن أن يُخيّل إليك أن ثمة بلداُ آخر في العالم، يُطلق فيه الرصاص ابتهاجاً بالعِلم؟ وتقتل شابة على شرفة منزلها لأن مبتهجاً لا يستطيع أن يعبر عن مشاعره إلاّ بإفراغ رشاش؟