الخليج بعد الحرب: إدارة المخاطر وصياغة التّوازنات الجديدة

19-06-2017 | 23:02
أمراء الحرب في حلب وإعادة الإعمار بعد الحرب


أمراء الحرب في حلب وإعادة الإعمار بعد الحرب
Smaller Bigger

بعد ستة أشهر من هزيمة قوات الثورة السورية أمام نظام الأسد في حلب، والتي حظيت بتغطية إعلامية واسعة، لا تزال الحاضرة التي كانت رائعة في السابق والتي تُعتبَر المدينة الأكبر في شمال سوريا، تترنّح تحت تأثير التداعيات الناجمة عن سنوات من النزاع العنيف. الخيوط المجتمعية والاقتصادية والمادية الدقيقة التي صنعت على امتداد عقود النسيج الاجتماعي الذي هو في أساس ثروة المدينة، فضلاً عن تماميتها الجغرافية والمجتمعية، ربما تعرّضت لأضرار لا يمكن إصلاحها. اليوم، تحوّل الجزء الأكبر من المدينة أنقاضاً، وبات عدد كبير من سكانها الذين كانوا أباة في ما مضى، يعيشون في فقر مدقع. التحديات الفورية التي تطرحها الحياة بعد استعادة السيطرة على المدينة، بدءاً من إعادة الإعمار وصولاً إلى المحاولات التي يبذلها نظام الأسد من أجل إعادة العمل بالخدمات وإرساء النظام من جديد، قد تعطينا لمحة أولى عما يمكن أن تبدو عليه سوريا بعد استعادة السيطرة التامة من جانب النظام. 

التدمير والمعافاة

الأذى الأكثر وضوحاً للعيان الذي أصاب حلب وما كانت تتمتع به من مزايا رائعة هو الضرر المادي الذي تكبّدته على امتداد أكثر من أربعة أعوام من القتال شبه المستمر. الدمار واسع جداً إلى درجة أن صور الأقمار الصناعية هي الطريقة الأكثر فاعلية لمسحه. بحسب تقويم أوّلي للأضرار يجمع بين التحليل النوعي الجغرافي المكاني والميداني في النصف الثاني من العام 2016، ثلث الوحدات السكنية على الأقل في مختلف أنحاء المدينة تكبّدت أضراراً مادية كبيرة أو تعرّضت للتدمير الكامل. وهذه الأرقام تعود إلى ما قبل الهجوم الأسوأ الذي وقع في تشرين الثاني وكانون الأول.

بعد أشهر من سقوط المدينة، لا تزال منظمات المساعدات الدولية والسلطات المحلية بطيئة في تحركها داخل هذه "الأحياء القابلة للدخول حديثاً"، بحسب المصطلح الذي تستخدمه الأمم المتحدة. لا يزال عدد كبير من الطرق التي تقود إلى الأحياء التي تحوّلت ركاماً، متضرراً أو مقطوعاً أو بحالة مزرية. تشير التقديرات إلى أن كلفة إعادة بناء الشوارع التي تفوق مساحتها 70 كيلومتراً والتي تحتاج إلى تصليح فوري، تفوق مليار دولار أميركي. ويُعتقَد أن هناك حاجة إلى مبلغ مماثل لإعادة العمل بمحطة الطاقة الحرارية الكبيرة الوحيدة في حلب، والتي تُعتبَر المنشأة الأهم لتوليد التيار الكهربائي في البلاد، والتي كانت تغطّي، قبل الحرب، ستين في المئة من احتياجات المحافظة. في المقابل، لا تتعدى موازنة الحكومة السورية بكاملها لعام 2017، خمسة مليارات دولار أميركي.

في حين انهمكت وسائل الإعلام الرسمية في تسليط الضوء على إعادة الافتتاح الرمزية للساحات والمتاجر والمطاعم من حين لآخر من أجل الإيحاء بعودة الحياة إلى طبيعتها، ليس الواقع بالنسبة إلى السوريين في المنطقة عادياً البتة. فعودة المدنيين كانت بطيئة إلى الأحياء الشعبية في شرق المدينة التي كانت ذات كثافة سكانية عالية في السابق. اعتباراً من الشهر الفائت، سجّلت الأمم المتحدة أن 153012 شخصاً يقيمون في الأحياء "المتضررة في أفضل الأحوال" التي كان الثوار يسيطرون عليها في السابق. إنهم يعيشون في غياب شبه تام للخدمات، ويعتمدون إلى حد كبير على المساعدات. عدد كبير منهم هم من العائدين، فضلاً عن الأشد فقراً الذين يتقاطرون من الأحياء الشرقية الشديدة الاكتظاظ والتي تعاني من ضغوط كبيرة، حيث ازداد عدد سكانها بمعدل الضعف تقريباً مع قدوم النازحين داخلياً إليها في ذروة النزاع.

يعكس التدمير القوة النارية غير المتكافئة للأطراف المتناحرة، وكذلك التكتيكات العشوائية التي يلجأ إليها نظام الأسد خلال القتال، ويتوزّع الدمار تالياً بطريقة غير متساوية إلى حد كبير. لقد دُمِّرت أحياء بكاملها في مناطق كانت تخضع سابقاً لسيطرة الثوار، مثل العامرية وتل الزرازير والمدينة القديمة وكرم الجبل، مع كل بناها التحتية، وسُوِّيت بالأرض، في حين لم تتكبّد المناطق الخاضعة لسيطرة النظام سوى أضرار متفرّقة. البنى التحتية المائية والكهربائية في المدينة معطّلة إلى حد كبير، ولا يزال التقنين مطبّقاً في مختلف السلع والخدمات الأساسية.