الطيران الحربي الإسرائيلي يُحلّق فوق العاصمة بيروت وضاحيتها الجنوبية وصولاً إلى مناطق الجبل

الأرملة والعمارة
Smaller Bigger

ما بين كتابة هذه السطور طباعتها، لا أدري ماذا يكون قد حل بالجدل الانتخابي، أو ما يسمى، تجاوزاً لكل الاعتبارات والمصطلحات القانونية، "قانون الانتخاب". وفي أي حال، من الواضح أن الجدل حول مشاريع القوانين، أو حول ما يمكن أن يتم الانتهاء إليه من صيغ ومعادلات واحتسابات، لا يعني أحداً من الناس أمثالنا. إنه خلاف مُعلن بين سياسيين حول أرقام مُعلنة، ميزته الوحيدة عدم اخفاء النيات وتسميتها بما هي، وتسييلها إلى ارقام وكسور. 

يجب الاقرار بأن لا جديد في الأمر: السياسة لا تبحث بين المقاعد عن الكفاءة، بل عن الولاء. حدث ذلك في كل عهد منذ الاستقلال، شديد الفقاعة أحياناً، كما مع الشيخ بشارة الخوري وكميل شمعون، 1947 و 1957، وفي شيء من الثورية في عهود أخرى.

فالحاجة إلى البرلمان لا تنقطع في نظامنا مهما اشتدت قوة السلطة التنفيذية. وقد نرفز الرئيس اميل لحود مرة من تصويت مجلس النواب على مشروع قانون معاكس لرغبته، فكان أن عاد النواب عن رزالتهم خلال أسبوع واحد، واقترعوا، ديموقراطياً، دستورياً، تشريعياً، ضد الاقتراع المشين.

في الانظمة التوافقية، التوافق ليس شرطاً دائماً. أحياناً يقتضي التوافق، الموافقة وحدها. فيغيب الرضا ويحلَّ التراضي، والعزة للعرب.

لا جديد في الأمر. والمحزن دائماً، الوقت. يتجادل السياسيون ويتضاربون ويتشاتمون، ليس على حسابهم، بل على حساب الناس. هم رابحون، كيفما كانت النتائج، لأن عملهم واحد، أما الناس التي تنتظر وصول مسافر إضافي، أو ظهور فرصة عمل في أي مكان، فإن معيشتهم تتوقف على هبوط رحمة لا تهبط في حروب المكايدات والنكايات.

العام 2002، أصدر الطبيب المصري علاء الاسواني، روايته الأولى "عمارة يعقوبيان" ويحكي فيها حياة مجموعة من سكان البناية القائمة فعلاً وسط القاهرة، حيث اقامها العام 1934 الثري الارمني، أغوب يعقوبيان. حكاية عالم يتداعى، رمزياً وحسياً، وينزلق اهله نحوالحاجة والعوز. في نشرة MTV مساء الأربعاء الماضي، ريبورتاج عن سكان "عمارة صالحة وعيتاني" في بيروت: بناية تتداعى فوق رؤوس سكانها، وامرأة بائسة بؤس البؤس تقول باكية، إنها ارملة لا تملك فلساً ولا مكاناً ولا خياراً سوى الرعب من أن يتحول كل هذا الخواء والتصدع إلى انهيار ايضاً.

تمر مثل هذه الصور مرة واحدة في الاخبار، ويسيطر على عقول الناس ويثقل على نفسوهم، الجدل حول قانون لا يعني لمعاناتهم وعذاباتهم شيئاً. أي شيء. إنهم يسمعون حكايات هدر وفساد وسطو بآلاف الملايين، ولا يسمعون عن قانون واحد لحماية الشيخوخة من الذل والإهانة. ويسمعون عن مشاريع ممتازة لاستعادة شيء من الاغتراب، لكنهم لا يرون مشروعاً واحداً لحماية الناشئة من وباء الهجرة من بلد نازف بالناس.