في القرن الثامن عشر، دخل الغرب بثقافته إلى الشرق بمختلف أقاليمه. استحضر السلاطين العثمانيون المصوّرين والمعماريين الأوروبيين، واقتنوا أعمالهم، وكلّفوهم رسم صورهم. اكتشف الشرق جمالية جديدة لم يعهدها في مسيرته، وبدأ مشواره مع ما يُعرف بـ"لوحة الحامل". بين عالم قديم فقد قدرته على الابتكار والتطور وعالم ينمو يتحوّل ويتجدد، يبدأ عصر الانبهار والافتنان بـ"الطريقة الأوروبية". في مصر يستدعي محمد علي الرسّامين والنحاتين الأوروبيين لتصوير عائلته وتزيين قصوره. يكمل الخديوي اسماعيل هذه المسيرة، ويملأ قصوره بلوحات زيتية تمثل حريم العائلة الحاكمة في لباس ملكات أوروبا، ويرعى في عام 1891 افتتاح أول معرض لرسّامي حي الخرنفش، وهو أول معرض تشكيلي في البلدان العربية كلها.
لا تنفرد السلطة الحاكمة والطبقة الأريستوقراطية في تشجيع الفن والفنانين، بل يشاركها في ذلك أعلام النهضة. يجعل قاسم أمين من تأخر مصر في ميدان الفنون الجميلة سبباً من أسباب انحطاطها، ويشير لطفي السيد الى انحطاط الذائقة المصرية لأنها لم تدخل الفنون الجميلة في مجمع علومها. من موقعه الديني، يتصدى الإمام محمد عبده لقضية تحريم التصوير ويفتح الباب واسعاً أمام الفن، "فالشريعة الاسلامية أبعد من أن تحرم وسيلة من أفضل وسائل العلم بعد أن تحقق أنه لا خطر منها على الدين، لا من جهة العقيدة ولا من جهة العمل"، والرسم أخو الشعر، فهو "ذلك الشعر الساكن"، وفيه "تجد الحقيقة بارزة تتمتع بها نفسك كما يتلذّذ بالنظر فيها حسّك".
سبقت مصر باقي الأقطار العربية في إقامة أول معرض تشكيلي، وسبقتها في اعلان ميلاد أول مدرسة للفنون الجميلة عام 1908، في رعاية الأمير يوسف كمال. بعد مرور شهر واحد على افتتاح هذه المدرسة، بلغ عدد المتقدمين للالتحاق بها مئة وسبعين طالباً، منهم محمود مختار، يوسف كامل، أحمد صبري، راغب عياد، ومحمد محسن، أي رواد الحركة التشكيلية الفنية في مصر.
اكتشف لبنان الفن التشكيلي في تلك الحقبة، وكان رواده داود قرم، حبيب سرور وخليل صليبي. قبل هذه الأسماء، شهد هذا البلد تجارب مشتتة لم تختمر مع عدد من الرسامين الذين لا نعرف عنهم إلا القليل، مثل نجيب يوسف شكلي، نجيب فياض، ابرهيم سربيه، الأخ نعمة الله المعادي والضابط علي جمال البيروتي. لكن مسيرة الرسم لم تبدأ فعلياً إلا مع داود قرم، وذلك تحت عنوانين أساسيين: الحج إلى الغرب ومعاهده، والبحث عن تسجيل الملامح الوطنية في التاريخ الفني، بوجوهه الدينية والجغرافية والتاريخية. سافر داود قرم إلى إيطاليا عام 1865 وعاد منها مفتوناً بكلاسيكية عصر النهضة، وصوّر في لبنان "صلاح الدين الأيوبي"، "نساء السلطان في بيت الدين"، و"بعلبك"، وغيرها من الأعمال التي تختزل عناوينها مواضيعها وجماليتها في آن واحد. سار حبيب سرور على هذا الدرب، فمضى إلى روما، ثم انتقل إلى مصر، وعاد ليستقر في لبنان حيث راح يعلّم فن الرسم في "المدرسة السلطانية العثمانية" وفي محترفه الخاص. صوّر حبيب سرور "القديس مارون" و"الأميرة العربية" و"البطريرك الحويك" إلى جانب الوجوه العديدة لوجهاء الزمن العثماني الأخير، وحظي بنجاح كبير، وقد ترك لنا مصطفى فروخ شهادة حول إعجاب الأتراك الشديد بسرور وبأعماله الزيتية. إلى جانب قرم وسرور، يبرز خليل صليبي، وهو في صوغ لوحاته لا يختلف عنهما إلا في رفضه الموضوعات الدينية وفي تبنّيه الصارخ لموضوع العري.
في محترف حبيب سرور، خطا مصطفى فروخ وعمر الأنسي خطواتهما الأولى في عالم الرسم، بينما تتلمذ قيصر الجميل على يد خليل صليبي. من محترف سرور، انتقل فروخ إلى روما، وبعدها إلى باريس ونيويورك. وتوجه الأنسي والجميل إلى باريس حيث تابعا دراسة الفن خلال ثلاث سنوات. عاد هؤلاء الفنانون إلى لبنان بعدما أكملوا دراستهم في الغرب، وبدأوا بعرض أعمالهم في مناسبات شتى. رصدت جريدة "المعرض" النشاط التشكيلي الناشئ في لبنان، وعرّفت بأعمال ذلك الجيل من الفنانين بحماسة بالغة، كما عمدت إلى تزيين مقالاتها بصور من توقيع فروخ والأنسي والجميل، إلى جانب أعمال قرم وسرور وصليبي. رافقت الجريدة مصطفى فروخ يوم عرض أعماله في الجامعة الأميركية، كما رافقت عمر الأنسي وقيصر الجميل في إطلالاتهما المبكرة، وحضنت النحات يوسف الحويك في بداية مشواره، وقدمت إلى قرائها "نصب الشهداء" الذي وضعه تكريماً لأبطال الاستقلال. في المقابل، توقفت الجريدة أمام خبر مصرع خليل صليبي وعقيلته، واستعادت مسيرة هذا الرسام، كما استعادت تجربة جبران في عالم الرسم واللون يوم رثت "فقيد النبوغ والشاعرية والفن".
نشرت "المعرض" لوحات عدة لأعلام الفن التشكيلي اللبناني على مدى خمسة عشر عاماً، ونجد على صفحاتها الكثير من زيتيات ماري حداد تصوّر وجوه الأسر اللبنانية في مختلف أطيافها. شكلت هذه الجريدة بهذا المعنى معرضاً لأبرز التجارب التشكيلية اللبنانية، ورفعت لواء الفنون الجميلة عارياً، تماما كما رفعت لواء الأدب والفكر والشعر في وطن "الجبل الملهم".
نبض