يظهر جلياً أن "التقليعة" الجنبلاطية مع العهد غير مريحة ولا مطمئنة، ويشوبها الكثير من التباينات والخلافات، في غياب الكيمياء الجنبلاطية – العونية، وذلك ليس بجديد، بل يعود إلى حقبة الثمانينيات، ولم يسبق أن شهدت هذه العلاقة أي استقرار، باستثناء هدوء في بعض الأحيان يشوبه الحذر والترقّب، وإن كان رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط مشى مع الأكثرية بانتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية على طريقة "مكره أخوك لا بطل"، وللخروج من الفراغ الثقيل الذي أحاط بالبلد في تلك المرحلة.
وهذا المسار المتوتر بين المختارة وبعبدا، يأتي بخلاف شهر العسل الطويل بين الزعيم الجنبلاطي والرئيس ميشال سليمان، إذ وصلت علاقتهما آنذاك إلى مرحلة تحالفية متكاملة على كل المستويات، بما أدّى إلى وضع صورة سليمان في صالون المختارة، الأمر الذي يحصل للمرة الاولى في تاريخ علاقة البيت الجنبلاطي مع رؤساء الجمهورية.
وعلى خط موازٍ، يلاحظ ما تعانيه المختارة في هذه المرحلة من استهدافات وحملات ضجّت بها مواقع التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى الكارثة التي كادت أن تحصل في بلدة الشويفات لولا الحكمة والعقلانية اللتان عولجت بهما الأمور بعد الـ"ميني إشكال" بين الحزب التقدمي الاشتراكي و"حزب الله"، إثر مشاركة وفد رفيع من الحزب في ذكرى استشهاد الزعيم الوطني كمال جنبلاط. وصنّفت مصادر مقرّبة من جنبلاط لـ"النهار" إشكال الشويفات رداً على هذه المشاركة وأمور أخرى كثيرة تحصل، بحيث تتحرك أجهزة استخباراتية وإعلامية لإحداث بلبلة في الجبل وصولاً إلى القصف السياسي على رئيس "اللقاء الديموقراطي" وعرض تقارير متلفزة تصب في هذه الخانة، ونبش دفاتر الماضي بطرق ملتبسة تحمل الكثير من التساؤلات، منها إلى أين هذه الحملات المعروفة الأهداف والمرامي؟
وفي هذا السياق، علمت الـ"النهار" أن مواقف الزعامات الدرزية كانت موحدة ومتناغمة بغية قطع الطريق على تلك الفتن، وخصوصاً ما حدث في الشويفات، إذ حصلت اتصالات ولقاءات مع مرجعيات دينية لها تأثيرها في الوسط الديني ضمن طائفة الموحدين الدروز من أجل التمنّي على المشايخ عدم الإنجرار إلى أي فتنة، لأن المرحلة دقيقة وحساسة مما يقتضي معالجة أي إشكال بكثير من التروي. وبمعنى أوضح، ما جرى في الشويفات ربما كان أدّى إلى "نيو 7 أيار"، وبالتالي ثمة إجراءات اتّخذت تالياً للتواصل واللقاءات الميدانية بين الحزب التقدمي الاشتراكي والحزب الديموقراطي و"حزب الله"، في حين أكدت أوساط مقرّبة من الوزير السابق وئام وهاب أنه يعتبر أمن الجبل خطا أحمر. وبمعزل عن التباينات السياسية، لا يسمح بحصول أي إشكال أو إراقة نقطة دم في أي منطقة من الساحل إلى أعالي الجبل.
وبالعودة إلى مسار العلاقة بين رئيس "اللقاء الديموقراطي" والعهد، وخصوصاً في ما يرتبط بقانون الانتخابات وملفات أخرى، فإن المصادر المواكبة لهذه الأجواء تشير لـ"النهار" الى أن الأمر المستجد في هذا الإطار يتمثل بما أثير حول استقالة وزير التربية والتعليم العالي مروان حماده، وهذه الاستقالة حملها حماده إلى جنبلاط مطلعا إياه على كل ما يجري في وزارة التربية بعد "تركة ثقيلة" وملفات عديدة مفخخة، والمعروف أن حماده طويل الباع في كل الوزارات التي تولاها، بشهادة الحلفاء والخصوم معا، ولكن جنبلاط، نظراً الى الظروف الاستثنائية التي يعيشها البلد، تمنّى عليه الاستمرار في مهماته مطلقاً شعار "كلنا مروان حماده". وعُلِم أن سيد المختارة في صدد زيارة القصر الجمهوري في الأيام القليلة المقبلة بعد عودته من العاصمة الفرنسية، وسيثير مع رئيس الجمهورية في أول زيارة له بعد انتخابه رئيساً، قانون الانتخاب وملفات سياسية وسواها، ومن صلبها ما يجري في وزارة التربية، وبعدها لكل حادث حديث، إذ يحرص جنبلاط على دعم الاستقرار في البلد وتحديداً الأمن الاقتصادي في ظل الأوضاع الاقتصادية والمعيشية المزرية ومخاوفه من الجمود على صعيد كل القطاعات، وبالتالي فهو مستمر في دعمه للحكومة، لكنه يلاحظ أن ثمة استهدافات واضحة المعالم تتناول وزراء الحزب التقدمي الاشتراكي في الحكومة، ومن هذا المنطلق سيسعى مع رئيسي الجمهورية والحكومة لمعالجة هذه الأمور قبل خراب البصرة.
ويبقى أخيراً أن أوساط "اللقاء الديموقراطي" تؤكد لـ"النهار" أنها حتى الساعة لم تتلقّ أي مشروع قانون انتخابي جديد أو لديها معلومات عن التوصّل إلى توافق على هذا القانون أو ذاك. وبخلاف ما يُقال عن ان الأيام المقبلة ستشهد ولادة قانون عتيد، ترى الأوساط المذكورة أن التمديد التقني آتٍ لا محالة، ولكن لا أجواء عن توافق سياسي في شأن الاقتراحات ومشاريع القوانين الانتخابية المطروحة، وفي غضون ذلك تبدي قلقها ومخاوفها من تداعيات ما يجري في سوريا والمنطقة على الداخل اللبناني خصوصاً في ظل تنامي وتيرة الاهتزازات الأمنية والانهيار الاقتصادي الذي باتت معالجته أولوية، تداركاً لأي انفجار اجتماعي.
نبض