الدكتور منصور عيد

22 تموز 2013 | 00:00

ايام يفاعنا كان في القرى رجل يسمى "الناعيط" أو "المنادي"، وكان هذا غالباً رجلاٍ بسيطاً، أو ساذجاً، لا عمل له ولا مكان ولا يعار أي أهمية ولكن ما ان يصعد الى سطح الكنيسة وينادي باعلى صوته، معلنا وفاة احد، حتى يصيب القرية وجوم ويصغي الجميع ويتوقف كل شيء، من أجل تمييز الاسم في عالم صغير تتشابه فيه الاسماء.

الآن توزع علينا أخبار الوفيات على "الموبايل" بالانكليزية، صامتا يأتي النعي. واحيانا مستحقا مداه الفسيح، تليق به سعة الفقد. المؤسسات والهيئات التي نعت الدكتور منصور عيد في "النهار" لامست أنانيتنا في بتدين اللقش ومنطقة جزين. كنا نشعر انه فقيدنا اولا، ولكن تقدمت علينا الجامعات والروابط والجمعيات، حتى بدا ان مسقطه ليس أكثر من مربع طفولة وذكر في السجل.
قبل أسابيع دعاني رئيس جامعة سيدة اللويزة الدكتور الاب وليد موسى الى الغداء. ومنه أدركت ان منصور عيد لم يعد ابن بتدين اللقش من زمان طويل، بل هو ابن الجامعة واحد اركانها التعليميين. ومنه عرفت ان منصور في حالة صحية وعرة، فلما اتصلت به ذلك النهار، كان الصوت خلوا من تلك الحيوية والشجاعة والاندفاع والانهماك في تصحيح الحاضر وتعديل المستقبل.
لم ييأس من لبنان. ففي عالمه الجامعي كان شباب كثيرون، وكان يحرص على ان يرى فيهم نزعة الى حفظ الارث. النبع وشجرة الجوز وكتابة الشعر وصناعة جيل مؤمن بالقانون والعدالة والرفعة. تلك هي الاعمدة التي قامت عليها مؤلفاته ودراساته ومحاضراته وحيوياته التي ظلت بلا حدود الى ان هدها المرض الآثم، الذي يستبق، كاسراً، خواتم الاعمار.
القرى الصغيرة بيت كبير وملعب واحد. ولا ندرك مدى القرب الا في حلول الغياب. الناس تعرف طباع بعضها بعضا وطبقات النفس. وقبل ان يصبح منصور عيد استاذا كبيرا في جامعة اللويزة، عرفناه ركناً كبيراً في مجتمعه الاول، شابا اهم واجمل ما في طموحه، انه ليس فردياً ولا شخصيا. لا يذكره احد منا بغير هذا. القرى تلد الادباء والشعراء والصنوبر ينفتح للزجل في الحناجر. لكن منصور عيد اختار طريقا غير مألوف في رومانسيات الضيعة: ذهب الى النقد الادبي المنهجي وكتابة السيرة. وبدا كم هو نبيل عندما وضع اطروحته للدكتوراه عن اشهر موضوع ادبي وانساني، في القرية: بولس سلامة. قدمه لنا بما لم نفقهه، وللآخرين بما لم يعرفوه.
من بيانات النعي في "النهار" يتبين كم هو متنوع ومتعدد طيف الذين يفتقدون الاكاديمي والاديب والمغيار والحيوي، منصور عيد. نحن، يحق لنا شعور الاعتزاز، اذ خرج من بتدين اللقش شابا كفياً وعاد اليها ضريحاً من ضرائح الكفاية والخلق.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard