القلمون تعني بالعربية ثوباً يتراءى إذا طلعت عليه الشمس بألوان شتى ألحقت بطرابلس عبر بروتوكول 1864 لتحديد حدود متصرفية جبل لبنان

21 تموز 2013 | 00:00

اذا ذكرت "القلمون" فسرعان ما يتبادر الى الذهن تلك البلدة الوادعة التي تنعدم فيها – تقريباً - نسبة الأمية، وتتسم بالعصامية وتركيز أبنائها على طلب العلم بلهفة لتصبح أكثر البلدات احتشاداً بالموظفين والمعلمين والأساتذة الجامعيين والمحامين والأطباء والمهندسين وفي السلك العسكري وقوى الأمن الداخلي... وقدمت العديد من شهداء الجيش اللبناني، أبرزهم الرائد ماجد علي كسن وشهيد قضى في معركة عبرا.

أصل اسم القلمون، كما يقول الدكتور انيس الابيض استاذ التاريخ في الجامعة اللبنانية، مشتق في اللغة الآرامية من "غالمة" أي التلة، وفي اليونانية "غلموس" وتعني سفح الجبل، أما في العربية فتعني ثوباً يتراءى اذا طلعت عليه الشمس بألوان شتى. ويضيف: "ذكرها بعض الرحالة العرب الذين مروا فيها، كالإدريسي في كتابه "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق"، وناصر خسرو في كتابه "سفرنامة" السنة 1047م، أو في ما كتبه الرحالة الانكليزي "ماندرل" في رحلته من حلب إلى القدس أواخر القرن السابع عشر ووصفها بأنها قرية صغيرة تحت جبل البلمند". أما الشيخ الرحالة عبد الغني النابلسي فقال عن القلمون في مخطوطته "التحفة النابلسية في الرحلة الطرابلسية": "ثم سرنا حتى وصلنا إلى قرية تسمى قلمون، كل أهلها من بني هاشم، فتلقونا بغاية الإكرام وأنزلونا عندهم مع التوقير والاحتشام وهيأوا لنا الذبائح في أماكنهم والمبيت في منازلهم" وكان تاريخ الرحلة العام 1700 م. والقلمون بلدة الامام الاصلاحي الشيخ رشيد رضا، الذي تربى في انحائها ثم غادرها الى مصر التي كانت تنعم آنذاك بحرية التعبير، ليؤسس صحيفة "المنار" التي تحولت أحد عناصر النهضة والاصلاح في اوائل القرن الماضي.
وللقلمون قصة مع يوسف بك كرم عندما اضطر الى مغادرة زغرتا – اهدن بسب خلافه مع الدولة العثمانية فكانت الملجأ الآمن له في منازل مشايخها الذين حافظوا عليه وأكرموا وفادته، وقد اسست هذه الحادثة لعلاقة مميزة لا تزال راسخة حتى اليوم بين أهل القلمون وأهل زغرتا وجوارها.

مغارة القديسة مارينا
تقع على كتف القلمون مغارة القديسة مارينا، التي يقول عنها الأب بهيج اللقيس من ددّه أنها فرت من مدينتها كيليكية في عهد الملك كلاوديوس، وهي الابنة الوحيدة لأحد كهنة الأصنام، وإذ تيتمت بفقد أمها سلمت إلى امرأة علمتها الإيمان بالمسيح، ولكن الوالي قبض عليها وسجنها زمناً طويلاً مقيدة". وهناك رواية اخرى تقول انها فرت من مدينتها متنكرة، ووصلت الى لبنان حيث سكنت قرب القلمون في جبل فيه مغارة وحفرت قبراً وجرناً للماء. وبعد شيوع نبأ وفاتها ومعرفة أعمالها الصالحة باتت مغارتها مزاراً للمؤمنين، وقد رسمت على جدران المغارة أيقونات وفسيفساء في ارضها، إلا ان الإهمال الذي تعرضت له أدى الى قيام البعض بتحطيم الأيقونات والفسيفساء، ظناً منهم بوجود الذهب مما أحدث خسارة تاريخية. وتبذل جهود حثيثة لوضع المغارة في مصاف المواقع الأثرية، ويقول الأب أغناطيوس اللقيس ان مجلس رعية ددّه قام بشراء المغارة، بتوجيه من المطران الياس قربان، ووضع خطة للحماية والترميم ولانشاء مقام القديسة مارينا.

بين الكورة وطرابلس
يبلغ عدد سكان القلمون حوالى 16 ألف نسمة وعدد الناخبين حوالى أربعة آلاف نسمة، ويضم مجلس بلديتها اثني عشر عضواً، أغلبيتهم العظمى من أعضاء أو أنصار "الجماعة الاسلامية" التي لها نفوذ كبير في البلدة.
تتبع القلمون انتخابياً مدينة طرابلس وليس باستطاعتها الانضمام الى اتحاد بلديات الفيحاء، لأنه يفصلها عنها خراج بلدة راسمسقا الكورانية، وقد ألحقت القلمون بطرابلس عندما صدر بروتوكول 1864 لتحديد حدود متصرفية جبل لبنان، فضمّت القلمون الى مدينة طرابلس التي تبعد عنها 5 كيلومترات بناء لطلب وجهاء طرابلس.
تشتهر القلمون بصناعة الملح في ملاحاتها المنتشرة على شواطئها، ويكثر فيها الصيادون وتنتشر في العديد من منازلها صناعة ماء الزهر وماء الورد والصابون والمربيات والمصنوعات الشرقية.
فيها اكثر من مستوصف أهمها مستوصف العزم والسعادة الذي تكفل ببنائه الرئيس نجيب ميقاتي، كما أقام فيها مسجداً وقاعة فخمة للمناسبات الاجتماعية وقاعة لتعليم ابناء البلدة الخياطة.
تضم القلمون أندية ثقافية ورياضية عدة، منها "نادي القلمون الثقافي" الذي يقوم بنشاطات ثقافية مهمة، ونادي خريجي مدرسة القلمون للنشاطات الرياضية، وقد احرز نادي القلمون الرياضي لقب بطولة لبنان للأندية في لعبة الكرة الطائرة لخمس سنوات على التوالي. كما يحتل فريق القلمون للرجال مركزاً متقدماً في الأندية الممتازة للكرة الطائرة. وفي القلمون ثلاث مدارس رسمية وثانوية ومهنية رسمية وثانوية "المنار" الخاصة، وفيها أيضاً "صندوق الزكاة" التابع لدار الفتوى ومطاعم كثيرة تتميز بهدوئها واطلالتها على البحر.

نقمة الاوتوستراد
كانت القلمون، التي تقع على الطريق الساحلية القديمة بين طرابلس وبيروت، استراحة المسافرين والزائرين الذي يتذوقون ليموناضتها الشهيرة، ويتزودون منها بالمربيات والمكابيس المختلفة والنحاسيات من متاجرها، وأتى الأوتوستراد على طرفها الشرقي ليحرم القلمون الكثير من زوارها، ولكن لا يزال هناك من يقصد هذه البلدة لشراء ما يلزمه من انتاجها.

مطالب اقتصادية
يقول رئيس مجلس ادارة معرض طرابلس الدولي ابن القلمون الصناعي ورجل الأعمال قنصل اسبانيا الفخري المهندس حسام قبيطر، إن القلمون بلدة صناعية في الدرجة الأولى رغم وجود نسبة كبيرة من الموظفين والاساتذة الجامعيين وأصحاب المهن الحرة، وهناك عدد لا بأس به في دنيا الاغتراب خصوصاً في دول الخليج.
واضاف: "كل أهالي القلمون عصاميون اعتمدوا – ولا يزالون – على أنفسهم بكل عزة نفس وقلما كنت تجد منزلاً ليس فيه جهاز لتقطير ماء الزهر وماء الورد، أو أواني خاصة بصناعة المربيات الفاخرة (مشمش، كرز، تين...) لبيعها للزائرين أو للمحال، وعندنا صناعة شهيرة هي صناعة زيت الزيتون والصابون والملح، فضلاً عن النحاسيات الشرقية والحرفية للدول العربية وأوستراليا وكندا لكن نظراً لتفاقم الوضع الأمني في سوريا توقفت حركة التصدير البري ولجأنا الى البحر، رغم زيادة الكلفة والوقت".
وتابع قبيطر "ان أهل القلمون مسالمون بطبعهم ويحرصون على حسن الجوار مع البلدات المسيحية التي تحيطهم: أنفة، البلمند، دده، راسمسقا... الحركة الاقتصادية اجمالاً الى تراجع، ولا ينقذها الا قدوم السيّاح والمغتربين، وفي هذا المجال فإننا نطالب بالاسراع بتشكيل الحكومة، وحزم القوى الامنية لضبط التفلت الأمني في طرابلس، وعلى السياسيين التفكير في مصالح البلد والمواطن وليس في مصالحهم الخاصة".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard