في باحة قصر بيت الدين سبعة أنصاب للنحات أناشار بصبوص، تختصر مدناً، تلفحها أضواء المهرجان الليلية فتغدو كنوافذ على العالم، حية، مسكونة، تتحدى الحديد في تصاعديته، فنتحسسه عن كثب كمادة ليّنة، طيعة، فيما اليد التي عبثت في تشكيله، تخاوت في عناصره وروّضتها من دون أن تقهر عظمته.
أناشار بصبوص هو ذلك البنّاء الذي زيّن الساحات والمؤسسات بنصبه النحتية، حيث عناصر الجاذبية، في حوار حميم مع المادة الصلبة، الطيّعة، في انسجامها مع روح الفنان ورؤاه الجمالية.
في التجوال بين المنحوتات الساكنة في غاليري "آرت لاونج" في خان الحرير في بيت الدين، لا بد أن نتوقّف هنيهات طويلة عند كل عمل لنعي أعمق مما نراه بالعين المجرّدة، فلا يعود العمل الصامت صامتاً، بل يغدو بديهياً أن نلتقط جوهر الأشكال في عاملَي الزمن والحركة.
أناشار بصبوص هو، بالوحي والأسلوب، وارث والد نحّات كبير، ميشال بصبوص، ووالدة شاعرة وكاتبة مسرحية، تيريز عوّاد بصبوص. بين الحجر والكلمة، صقل حواسه، فكان المعدن إلهامه، وفي المادة الصلبة قرأ قصيدة كونية، في دعكها تولد الطاقة وعلاقتها بالكوزموس.
من منحوتة إلى أخرى كنت أدوّن كلمات فنان واضح الرؤيا، يكشف عن النواة التي عليها يركّز إيقاع نصبه: "الأساس في هذا الابتكار، التوصل إلى الحركة الصغرى لتعبير أكبر".
هل يصح القول ان ثمة موسيقى تولّّد إيقاعاً ولو صامتاً في أعمالك؟
- لا شك في أن الموسيقى هي في روح كلّ فنان، يعبّر عنها في كل إيقاع يبدر من حكّ الحديد بعضه بالبعض الآخر، كما من لقاء بين صفحتَي ستانلس. هو ذلك الايقاع الموسيقي الذي ينهض بالعمل ويحضّ على انفعال لدى الزائر. فأنا أمتّ في أكثر عدد من أشغالي إلى المدرسة الجمالية.
في زمن رفض كل ما هو شاعري وجميل، كيف ما زلت تؤمن بهذا العنصر الباعث انفعالات في النفس؟
- بالفعل، ثمة تنكر للحلى والجمال، ولكن كيف السبيل إلى التعبير عن شيء قوي ولافت ونحن في تناقص مع جمال الرسالة؟!
على مدخل قصر بيت الدين تلتقطنا الأنصاب السبعة، فيما على بعد من هذا المكان معرضك في غاليري "آرت لاونج" في خان الحرير، هل كان الاقبال على هذا المعرض مشجعاً؟
- وددت أن أعطي الأنصاب السبعة أسماء مدن. هي أكثر انتماء إلى الهندسة المعمارية من المنحوتات المعروضة في الخان، وفي شهقتها قربى مع الانسان ورؤاه المدنية. هي، بكلمة، مرآة للعلاقة بين الانسان ومدينته، ووجودها في باحة قصر بيت الدين حوار بين ما اشتغله الانسان بيديه من قناطر القصر والقرميد، وما حققته بيدي بمادة الحديد التي أعطيتها تنويسات الصدأ الأحمر والبعد الاحترافي، ولو أنها ابتعدت عن المفهوم الحرفي. مدن رمزية كالطواطم، عالجت كلاًّ منها بأسلوب مختلف، كأنها تدعو إلى السفر من بلد إلى آخر، ولكلٍّ منها هوية ولغة.
أما في خان الحرير التراثي، فالمنحوتات وعددها إحدى وعشرون، فقد وجدت في هذه المساحة المشرّعة على الطبيعة البكر، الركن الذي ترتاح إليه، لكن المعرض لم يستقطب الكثير من الناس لبعده عن القصر حيث المهرجان.
كيف تقترح عليَّ أن أطلع إلى كل عمل؟
- كيفما درت حول كلّ عمل، سترين تحولات في الشكل والحركة. هذا الحجم الذي يبدو سابحاً في الفضاء، تخطى ثقل الجاذبية. أجسام متداخلة في بعضها، أو حائدة بعضها عن البعض الآخر، تبدو متحررة من بعضها، رغم ترابطها العضوي. نلاحظ كيف أن في لمعان المعدن تنعكس الطبيعة الآتية من الخارح، كلعبة المرايا. في هذا التركيب والتفكيك تولد الحركة الكوزمية.
هل يقوم العمل على تحضيرٍ واع؟
- في البداية، أضع الفكرة على ورق وأترك مجالات حرّة تمنحني متعة الخلق خارج النظام التقني حتى تبلغ المنحوتة أهدافها.
أي صفة تعطيها للهدف وكأن منحوتاتك لم تصل إلى نهاية ما؟
- المكافأة في هذا العمل الصارم هي في كل ثانية، وفي التحدي المتواصل مع الجاذبية. المعدن في هذا المسار سوف يطلق طاقته الكونية. هذه الفكرة كانت دافعي لتثبيت حيوية الأجسام المتجاذبة.
فهل ثمة مبارزة بين جسمين؟
- في أعمالي هذه، مجابهة بين الملآن والفارغ، بين الستاتيكي والديناميكي، الفوضوي والنظامي، الكوني والخليوي، الفائق الصغر والفائق الكبر.
هل في البناء الهندسي والدائرة الكاملة مكان للجاذبية؟
- أجل ! بينهما تجاذب لكن يبقى ذوبان الكتلة في الأخرى شبه مستحيل.
نبض