"سمندل" لينا مرهج "خلف أبواب" الجنسانيّة والشعر فنّانون كسروا التابوات بالخط والرواية من دون ابتذال

19 تشرين الثاني 2016 | 00:00

"فعلتها" لينا مرهج من جديد. وهذه المرّة ليس من طريق فنون التحريك كما "بيروت متحرّكة" وإنّما من باب الشريط المصوّر الذي تحترفه. فصدور عدد جديد من مجلّة "السمندل" يعتبر في ذاته إنجازاً نظراً إلى الصعوبات الماليّة التي واجهتها وخصوصاً بعد الحكم القضائي المجحف الذي صَدَرَ في حق مؤسسيها أفراداً بألوف الدولارات، إستناداً إلى حجّة تمثّل ضيق أفق أصحابها وليس الآن مجال إثارتها. تحدٍّ آخر أن تذهب لينا مرهج، بعدما أصبح كل عددٍ مسؤوليّة رئيس تحرير واحد يقرّر موضوعها العام والمشاركين فيه كما شكله النهائي، إلى حيث لا يجرؤ كثيرون، إلى "الشعر والجنسانيّة".

عرفت لينا مرهج كيفيّة صياغة موضوعَي الشعر والجنسانيّة بعيداً من الاستفزاز ونقلتهما إلى فضاءٍ فنّي بعيداً من التحدّي والإبتذال، فجاءت "السمندل" 20 على صورة محرّرتها، مرهفة الإحساس وصلبة الشخصيّة. وربّما ساعدتها تجربتها القضائيّة على إتقان السير بين الألغام، وإبتداع الحلول مثل اللجوء إلى ناشر أجنبي للإصدار (دار ألف باء تاء alefbata الفرنسيّة).
"خلف الباب" (العنوان الفرنسي "يبقى بيننا") أرادته لينا مرهج أيضاً أقرب إلى الشريط المصوّر منه إلى مغامرة روائيّة بصريّة إختباريّة كما جرت العادة مع الأعداد السابقة. كأنها سعت جاهدة لإبعاد تسمية "الفانزين" (مجلّة هواة الشرائط المصوّرة) عن "المجلّة - الكتاب"، فـ"ضبضبت" محتواها وأعادته إلى ما يجب أن يكون، تاركة الباب مفتوحاً واسعاً للاختبار (باستثناء "ثني وأثناء"، صور لارا تابت ونصّ ديالا جميّل الذي يتساءل المرء عن مكانه في العدد رغم قيمته الفنيّة). هكذا تحرّرت مساهمات "ما بين بين" لجنى طرابلسي التي تذهب كل مرّة في تجربتها الخطيّة والحروفيّة والتعبيريّة إلى مدى كأنّه تحدٍّ جديد لها قبل أن يكون لأي شخص آخر.
كان لافتاً أن تتناول زينب بنجلون (المغرب) الجنسانيّة عند الرجال وليس النساء كما قد يكون متوقّعاً. "نْوِيوِرة" تتحدث إدمان حامد للجنس في مكناس وتردّده يوميّاً عند "لالا فخيتة" لينال مأربه، لكن التقاطه أحد الأمراض السارية يجعل أهله والمجتمع يغيّرون نظرتهم إليه فيعود إلى ملاذه الوحيد ولكن ليُدمِنَ هذه المرّة الخمرة. تتميّز بنجلون بأسلوبها المحلّي القريب بصريّاً من الرسومات الشعبيّة والغرافيتي، وبإصرارها على استخدام اللغة المحليّة في الحوارات (سمة عامّة عند الجيل الجديد من فناني الكوميكس العرب – باستثناء لبنان) والفرنسيّة للراوي. كأنها مثل سائر الشباب يغوصون في المحليّة غير آبهين بمقولات القوميّة العربيّة.
مي كُرَيِّم (مصر) تُعرِّفُ صفحات "عنها للمرأة" بأنها "قصّة مصوّرة عمّا تتعرّض له المرأة المصريّة من تحرّش". موضوع جاد وبات يُشكّلُ كابوساً للمصريّات. فكرة مبدعة كيف روت في القسم الأعلى من الصفحة ما تتعرّض له الشابة المصريّة من تحرّش في الشارع وكيف أن المرأة كانت أكثر تحرّراً وقبولاً في نشاطها الإجتماعي قبل مئة عام عما هي عليه اليوم، فيما أسفل الصفحة يسرد تضييق الأهل في المنزل على الفتاة في ما ترتديه وكيفيّة التصرّف لتجنّب التحرّش. رسمُها قاسٍ وسوادُها قاتم كأنها تريد أن تنقل لنا عالم المرأة الظالم والمُظلم خصوصاً بعد الثورة، وهنا المفاجأة حيث تنهي شريطها بـ"مفيش فايدة"!
هذا الجانب الوصفي لحال المرأة في مصر تلاقيه لينا مرهج "في نقاشات نسويّة" لبنانيّة تسخر فيها من الطبيب النسائي الذي يحاول التحرُّش بزائرته خلال المعاينة، أو حين تنتقد وضع المرأة القانوني من ناحية إجازة الأمومة، غياب الحضانات، التمييز في الأجور.
الأكثر ذاتيّة وخصوصيّة وشفافيّة وإحساساً هو جوزف قاعي (لبنان) في "أخوة". يغوص في ذاكرة التجربة الأولى الحميمة وصديقه. تفاصيل قطرات الماء تلامس الجسد الذكوري العاري، صور العري النسائي المتداولة بين الأطفال. المكان الأول للإنزواء والتلامس والإستمناء. صفحات قليلة فيها كمّ من الأحاسيس تنساب من ريشة قاعي الذي يحترف تقنيّة السرد البصري والأقرب من غيره إلى تقنيّات الشريط المصوّر القائم عنده على القليل من الكلام والكثير من "الهوائية" في الكادرات و"البراءة" في الخط والتعبير. براءة وشفافيّة وتفكير مطوّل بـ"تنظيف" العمل من "الثرثرة" الكلاميّة والبصريّة التي تنتهي إلى شريط مصوّر على شاكلة مؤلفه. وجوزف قاعي بريء وشفّاف وعميق التفكير لمن يعرفه.
عكس قاعي هو برّاق ريما (لبناني مقيم في بلجيكا)، الذي يكسر الكادرات لمصلحة المناخ ويبتعد عن التسلسل الزمني لينقل لقطات عالقة في المخيّلة. وإذا كان قاعي يلجأ إلى ما حفظته ذاكرته من أحاسيس لحدث معيش، فإن ريما يأخذ "قيلولة قبل الظهر" ليغوص في مخيّلة تصويريّة مستعيناً بصور فوتوغرافيّة يترجمها رسوماً وهو السبّاق في رعيله في اللجوء الى تنوّع التقنيّات. أما "براءة" اللحظة الأولى عند قاعي فيمحوها ريما ليضع مكانها لحظات قريبة من البورنوغرافيا. كأن الأوّل فضّل الإحتماء بطفولة لا تريد أن تكبر فيما أَطَلَّ الثاني رجلاً كَبُرَ قبل أوانه. يبقى أن برّاق ريما الذي كان من أوائل الذين غادروا إلى التجريب وتنوّع المواد البصريّة في صناعته لا يزال ملتزماً "قواعد اللعبة" في صياغة لغته الخاصة في مجال الشريط المصوّر.
في الحديث عن التجريب ومحاولات توسيع آفاق اللغة البصريّة لفن السرد الروائي تستمرّ جنى طرابلسي (لبنان) في مغامرة التركيز على الفكرة والإحساس التي تريد إيصالهما إلى المتلقّي بأكثر نقاوة خطيّة ممكنة وأقلّ كلام ممكن. كأن جنى في "بين بين" تخاف أن تفقد ورقتها البيضاء بياضها، أو أن يعكر الكلام جماليّة حروفيّتها، هي الآتية من عالم التصميم الغرافيكي والحروفي. هي الأكثر ربطاً بين الإثارة والحواس، والأكثر تعبيراً عن الجنسانيّة من خلال حركة يدٍ وشفّة وعين وأُذُن تختصر الإنسان لحظة ممارسة الجماع وصولاً إلى النشوة التي تُبقيها جنى طرابلسي لغزاً غرافيكيّاً وتصويريّاً قابلاً للتأويل.
باستثناء بعض المساهمات الأجنبيّة يلتقي برّاق ريما وجوزف قاعي وجنى طرابلسي كلٌّ بأسلوبه على الغوص في الذات بذاكرتها أو أحلامها أو أحاسيسها ليشكّلوا ثلاثيّاً أخذ دون غيره القارئ "خلف أبواب" ما يجب أن "يبقى بيننا" من كلام وصور عن الجنسانيّة والسرد الشعري لها.
باقي المشاركين من غير الأجانب لم يقدّموا الجديد في التجربة أو يذهبوا خلف أبواب ذواتهم، فراوحت مشاركاتهم بين المثقّف الذي يحتار في ما يكتب فيذهب إلى ذكاء النص والسخرية ("الجنس والشباب" كمال الحكيم) أو إلى النص الروائي الذي لا يلاقيه الرسم مستوى ("النظرة الخلفيّة" رسوم كارين كيروز نص فراس الحلّاق) أو من لم يستطع إيصال فكرته عبر السرد البصري ("إيزي رايدر" لرفاييل معكرون، و"عهد وكريم" لنور فاخوري). هنا استثني محمد قريطم في عمله "واتري" الذي يوازي المحترفين مهارة في الرسم والسرد البصري .
لينا مرهج ومعها الفنّانون الذين شاركوها المغامرة، كسروا التابوات من دون ابتذال، وأخذونا "خلف أبواب" الجنسانيّة بالخطوط والرسوم ليعطوا الشريط المصوّر عندنا مساحة جديدة وأفق عملٍ جديداً. ليس غريباً أن تكون المجلة - الكتاب أُطلِقت من صالة عرض فنيّة (غاليري تانيت) عُلّقَت على جدرانها كل الأعمال المشاركة، إضافة إلى أعمال طلاب جامعات شاركوا في ورش العمل تحت العنوان نفسه، تأكيداً أن ما يُقدَّم يستحقّ الإعتراف الفنّي به مثله سائر الفنون البصريّة.
"عندما أرقص البلدي تتحرّر كل عضلة في جسدي لتتبَعَ إيقاع الكون. هي الحركة ذاتها التي أشعر بها عندما أُعبِّر عن نفسي في الكوميكس" (من المقدّمة).
لينا مرهج رَقَصَت، وربحت الرهان.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard