لم يكن مستغربا ان يحضر رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل الى طاولة الحوار، حاملا عن قصد موضوع ما يسميه "الميثاقية" لخلق بلبلة، والانسحاب منها وبالتالي تطييرها. نجح باسيل في تطيير الحوار الجماعي، بعدما نجح جزئيا في خلخلة الحكومة التي حماها الثنائي الشيعي "حزب الله" وحركة "امل" من الانهيار. حضر باسيل حاملا معه كمّا كبيرا من الاهانات بحق عدد من الجالسين الى الطاولة، ما كانوا كلهم مسيحيين! واستدعى كلامه الذي سبق، فضلا عن كلامه على الطاولة، ردا من النائب سليمان فرنجية. انطوى كلام فرنجية على فروسية، لكنه لم يحل دون مواصلة العونيين خطتهم لتطيير طاولة الحوار، وهم العارفون اصلا، بحسب ما ادلى به رئيس الطاولة نبيه بري، ان انسحاب اي مكون من الهيئة سيؤدي الى تعليق جلسات الحوار. من هنا وجه بري كلاما قاسيا لباسيل اختصر الكثير من سوء العلاقة العميق بين بري وعون.
ليس سرا ان تصعيد الجنرال ميشال عون في كل اتجاه، واستخدامه ورقة "المظلومية المسيحية" ونسبتها الى نفسه، واعتبار عدم وصوله الى الرئاسة بمثابة إلحاق ظلم بالمسيحيين، يأتي في وقت تراجعت فيه آماله في الوصول الى قصر بعبدا. فالتصعيد هنا هو تصعيد ضمني ضد حليفه "حزب الله". وعون يعرف تمام المعرفة ان "حزب الله" اكتفى بتأييده للرئاسة لفظيا، ولم يفعل شيئا للملمة صفوف ٨ آذار خلف عون! فلم يعمل جديا على رأب الصدع مع الشريك الشيعي الرئيس نبيه بري، ولم يجتهد كثيرا للملمة النفور المتبادل بين عون وفرنجية، وتركه اما عن قصد واما عن غير قصد، ليتحول الى حقد متبادل كما دل حجم التراكمات السلبية بينهما، والكلام "الواقف" في مختلف المناسبات.
تراجعت آمال عون في الوصول الى رئاسة الجمهورية. هذه حقيقة، فيما الزمن يمر من دون تحقيق أي تقدم، الّلهم في ما عدا الفوز بتأييد حزب "القوات اللبنانية" التي منحت عون ورقة مسيحية ثمينة، لم يتأخر في استخدامها والاستقواء بها ضد كل من يحجب عنه التأييد في الاستحقاق الرئاسي.
إنها المعركة نفسها، لكن بأساليب أخرى! قبل نحو ثلاثة عقود اغرق عون البلاد في دم فوق الدم، ثم أغرق المسيحيين في دم فوق كل الدماء المُهرقة في الحرب اللبنانية، وكانت عينه على رئاسة الجمهورية. لم يصل، وأنجز اتفاق الطائف، وانتخب رئيس بتوافقات اقليمية - دولية. رفض عون، وعلق الحياة في البلاد عاما كاملا، الى الثالث عشر من تشرين عندما تخلى عن وعده بأن يكون آخر المغادرين من قصر بعبدا.
اليوم كما قبل ثلاثة عقود... كل معارك الجنرال عون تختصر بحلم الوصول الى قصر بعبدا. واليوم كما قبل ثلاثة عقود، سيبتعد عن بعبدا أكثر، لان الاسلوب لم يتغير... و هو لن يفتح الطريق الى بعبدا. فموقع الرئاسة يحتاج الى كثير من الحكمة، والعقلنة!
نبض