الشيعة العرب "عملاء" في أوطانهم

20 حزيران 2013 | 00:34

كلما التقينا بزائر عائد من الخليج نطّلع منه على بوادر الكارثة الآتية على الشيعة خصوصاً وعلى اللبنانيين عموماً. الخليجي والعربي يفهم ان "حزب الله" التابع لإيران وبعد أن أقام دويلته في لبنان يرسل عناصره الى سوريا لنصرة نظام طائفي علوي يحكم سوريا بالحديد والنار منذ عقود ويعيش على دماء السوريين؛ بعد أن ألغى الدولة اللبنانية لتنفيذ سياسات طهران.

ويبلغ الخوف أوجه عند قراءة هذه المواقف في ضوء تقرير نشر اخيراً عن دراسة حول السلوك العنصري (أجرتها مؤسسة "مسوحات القيم العالمية" التي تتخذ مقرها في لويبنبرغ، المانيا) شملت 80 بلدا حول العالم واستغرقت منها نحو 30 سنة. كانت المفاجأة أن البقاع الأشد عنصرية هي الدول النامية (ومنها العربية). فعندما يتعلق الأمر برفض "الآخرين" لأنهم مختلفون عرقيا أو ثقافيا أو دينيا، فإن الشرق الأوسط هو أحد أشد بقاع العالم تمييزاً. وهذا ما يفسر معاناتنا الدائمة من التوترات العنصرية والتي أكثر ما تعبر عن نفسها بالتوترات الدينية والمذهبية والعصبيات المتشنجة بين الشعوب والأعراق والمذاهب.
ومن بينها الحساسيات التاريخية الموجودة بين إيران الفارسية والعرب، وبين هؤلاء والاتراك. الحساسيات نفسها موجودة بالطبع بين الايرانيين والأتراك لكنهم يحترمون بعضهم البعض من ضمن التنافس دون التقاتل. وهناك من يذهب الى أن الدولة الصفوية "أعادت اختراع المذهب الشيعي وأدخلته الى ايران" فقط لكي تميّز نفسها عن التدين السني العثماني، وهي أدخلت الى التشيع هذا الكثير من العناصر الفارسية القديمة. لكن ما يميّز موقف الطرفين تجاه العرب هو التعالي (الأكثر وضوحاً وحدّة عند الايرانيين) واعتبارهم أقلّ منزلة منهما. يكابر من ينفي هذا الأمر الذي يعاني منه حتى أفراد "حزب الله" في إيران نفسها. وما يدعم هذه المواقف الانقسام والتشرذم والضعف والتأخر وكل الآفات التي تعاني منها البلدان العربية مجتمعة ومتفرقة. أذكر أنني عندما ساندت بقوة الثورة الايرانية الخضراء المجهضة كثيراً ما وجدت من يشير إلى أن تغيير نظام الحكم في إيران لن يغيّر من موقف الشعب المنحاز ضد العرب. مع ذلك أظل على اعتقادي بأن أي نظام مقبل ديموقراطي تعددي هو أكثر احتراماً لخيارات الشعوب الأخرى ولحقوقها وللمعاهدات الدولية من النظام الديني القائم.
هذه المقدمة الطويلة هي الخلفية المساعدة على تلمّس مدى كارثية الدور الذي اضطلع به "حزب الله" في القصير، بما هو تنظيم سياسي أنشأته إيران على أرض لبنانية ومن مواطنين لبنانيين عرب شيعة. "حزب الله" الشيعي اللبناني بدأ نشاطه متطرفاً ومرّ بفترة ظاهرها الاعتدال أثناء مقاومته اسرائيل وينتهي الآن متطرفاً إذا لم نقل أكثر. لكنه بدءاً من التسعينات ومع حصر نشاطه بمقاومة إسرائيل وخصوصاً في لحظة تحرير الجنوب في العام 2000 تحوّل مثالا للبطولة والمقاومة وأصبح للسيد نصرالله منزلة عبد الناصر نفسها وربما أكثر دون أن يلتفت أحد الى شيعيته او الى التزامه بولاية الفقيه الايرانية.
"حزب الله" هذا تحوّل الآن معتدياً على الامة العربية عند النخبة وعلى السنّة أيضاً عند العامة. وسبق أن عاينّا كيف أنه ومع كل محطة عنف ارتكبها "حزب الله" في لبنان كانت الأسئلة تزداد حول دوره ودور سلاحه بين شرائح تنفلش مثل بقعة الزيت مع كل عتبة جديدة يدوسها في طريقه للكشف عن وجهه عارياً من كل زينة.
"حزب الله" في اعتدائه السافر في الداخل السوري وعلى القصير لا يخفي أنه يقوم بذلك من أجل مشروعه الذي لا يزال يطلق عليه صفة مقاومة إسرائيل. لكنه هو نفسه يعلن أنه يأتمر بأوامر الوليّ الفقيه أي المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، قافزاً عن وجود الاوطان معتدياً على الحدود بين الدول، معتدياً على شعب انتفض مطالباً بحقوقه البديهية. وهو بهذا يورّط الطائفة الشيعية العربية في وجه السوريين والمسلمين العرب وغالبيتهم من السنة . ويعلم هو ومحازبوه، أكثر من غيرهم، مدى الحساسيات العرقية تجاههم كعرب في إيران نفسها مع كونهم شيعة محازبين لنظامها.
المسألة هنا، وفي ظل هذه الخلفية العنصرية والصراع المذهبي الذي بدأ يعمّ المنطقة وتجذر مع الثورة السورية، أن نتائج وتداعيات هذا التدخل للحزب ومهما كانت نتيجة هذا الصراع هي خطيرة وكارثية على المنطقة ولكن خصوصاً على الشيعة العرب واللبنانيين وعلى مستقبلهم ولعقود آتية. ناهيك عن انعكاسها المباشر على الوضع في لبنان على مستوى الطوائف والمذاهب.
جميعنا يعلم أن إيران تلعب على حافة الهاوية، لكن سلوك زعمائها منذ الثورة الايرانية وبالرغم من عنترياتهم الخطابية يشهد على تمتعهم بقدر كافٍ من البراغماتية وعلى إجرائهم حسابات استراتيجية تردعهم عن الانتحار. لكن ما الذي قام به الحزب في القصير؟ فهو ولو انتصر آنياً فلن يتغلب على السوريين المدافعين عن أرضهم وحقوقهم وكرامتهم تماماً مثلما عجزت إسرائيل بعديدها عن الانتصار على الشعب اللبناني.
فما الذي نجنيه من كل ذلك؟ تعريض لبنان لمخاطر آنية وبعيدة المدى، واستعداء الشعب السوري واستعداء الشعوب العربية وتحويل الشيعة متعصبين ومرتزقة وعملاء لإيران مع ما يعنيه ذلك من فتح الصراعات المذهبية على مصراعيها وتحويل النزاع السياسي على السلطة حروباً "صليبية" جديدة بين السنة والشيعة لن تنتهي مفاعيلها الى آجال... بفمه دعا السيد نصرالله اللبنانيين المتصارعين في لبنان (أي السنة والشيعة) الى المنازلة في سوريا؟
إيران تحرص على إظهار التحاق "حزب الله" بها، فلقد جاء في صحيفة "كيهان" الايرانية أن دخول الفرع اللبناني لـ"حزب الله" الحرب في سوريا جاء استجابة لتعليمات المرشد. المفارقة أن نصرالله وصف مقتدى الصدر بـ"الخائن" لأنه رفض الانجرار الى القتال في سوريا!! وكان سبق لآية الله السيستاني، مرجع التقليد الايراني بدوره أن رفض على مدى أكثر من عقد التضحية بمصالح العراق من أجل طهران. فهل كان السيد موسى الصدر ، رجل الدين الايراني المولد، سيقبل أوامر طهران الدخول في الحرب السورية؟
سيتحول الشيعة منبوذين في بلدانهم ولن تشفع لهم أي مظلمة ولن يجدوا مأوىً يلمّهم حتى في طهران نفسها سواء بقي هذا النظام أم ذهب والتجارب ليست بعيدة عنا فرجال لحد تحوّلوا مجرد لاجئين فائضين على المجتمع الاسرائيلي سواء الذين باعوا أنفسهم له أو الذين لا ذنب لهم سوى أنهم اولادهم وأقاربهم. إيران فارسية ونحن عرب والصراع العنصري بينهما قائم منذ عصور فمهما برّرالسيد نصرالله وحزبه وطائفته لن يُغفر لهم. شخصياً أشعر باليأس من المتحلقين حول "حزب الله" وأخشى أنهم لن يعودوا الى صوابهم فهم في قمة الخوف والذعر وهذا ما جلبوه على أنفسهم وعلينا ويا للأسف.

هل من خلاص؟
ربما يكون في المواقف العقلانية المقاومة للخيارات الانتحارية من قبل جميع اللبنانيين الآخرين غير المنخرطين في هذا الجحيم الانتحاري ذي اللون القاني، ومواقف الدول العربية المعتدلة في عدم الانجرار لاضطهاد الشيعة اللبنانيين، او الى الممارسات العنصرية والطائفية والمذهبية ضد مواطنيها الشيعة، بل إعطاؤهم حقوقهم كافة والحرص على إرساءالمساواة التامة بين المواطنين. واي سلوك مخالف لهذا هو تلبية لطموحات ايران وغاياتها في شرذمة العالم العربي واستغلال ضعفه وانقسامه كي تزداد قوة وهيمنة وتصل الى شواطئ المتوسط، حلمها الاركيولوجي.

استاذة جامعية

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard