شيخ المترجمين العرب منير البعلبكي

18 حزيران 2016 | 00:43

منير البعلبكي.

حلّت الذكرى 17 لوفاة الدكتور منير بعلبكي، فيوم التاسع عشر من حزيران 1999 خسرت اللغتان العربيّة والإنكليزيّة الرجل الذي ربّما كان أهمّ رابطة بينهما في القرن العشرين.

لكنّنا حين نتحدّث عن "الخسارة" هنا قد نجانب الواقع. الواقع هو أنّنا نعيش ربحاً دائماً بوجوده إلى جانب كلّ من يتقن العربيّة والإنكليزيّة، من خلال قاموسه "المورد"، القاموس الإنكليزي-العربي الذي أصدره عام 1967، والذي استمر إلى يومنا هذا عبر طبعاته المتلاحقة، وبفضل جهود من استلم الأمانة من بعده، ابناه الدكتور روحي والدكتور رمزي.
من الصعب أنْ تجد أيّ عربيّ حاول تعلّم الإنكليزيّة دون أن يستعمل المورد. المورد أصبح الرفيق الذي لا بدّ منه للكتّاب والمترجمين والباحثين في مجالات العلوم والآداب، لأنّه معجم شامل متكامل، جيّد التنظيم والتبويب، ويفيدك بالمختصر المفيد. كما أنّه يزوّدنا بعدّة خيارت لمعاني الكلمات حتّى يسهل علينا اختيار الكلمة الأكثر ملاءمة لموضع معيّن.
نتج المورد عن ممارسة ذكيّة وعمل دؤوب. وقبل الطبعة الأولى عام 1967، انشغل البعلبكي في ترجمة أعمال مهمّة من الإنكليزيّة إلى العربيّة، واستمرّ هذا الأمر طيلة حياته. ومن الأمثلة على ترجماته "الشيخ والبحر" لأرنست همينغواي، و"قصّة مدينتين" لتشارلز ديكنز. هذه الترجمات فتحت عيون القارئ العربيّ على عالم الأسلوب الروائيّ والجمال الأدبيّ وعظمته.
بدأ الأمر عام 1945 حين ترك البعلبكي عمله التدريسيّ وأسّس مع صديقه بهيج عثمان "دار العلم للملايين" التي أصبحت من أهم دور النشر في العالم العربيّ. ودعت الحاجة إلى موادّ للنشر لتغذية مؤسّسته بأن يقوم البعلبكيّ بمزيد من الترجمات. وفي مقابلة أجرتها معه مجلّة "العربي" (العدد 417، 1993) ذكر البعلبكي أنّه واجه كلّ الصعوبات التي يلاقيها المترجمون في ذلك الوقت، خصوصاً عدم توفّر المراجع والقواميس الكافية. ولهذا قام باستنباط مصطلحات جديدة حين لم تتوفّر له المصطلحات الملائمة في المعاجم المتوفرة لديه. كان يقوم عندها بتدوين هذه المصطلحات على هوامش صفحات القواميس التي كان يستعملها. اقترح عليه بعضهم أنْ يقوم بوضع قاموس جديد يساعد القرّاء والمترجمين، خصوصاً العلماء والمهندسين والحرفيّين والأدباء، بعد أنْ بات جليّاً أنّ اللغة الإنكليزيّة صارت لغة المدنيّة الحديثة.
صار حجم المعجم يزداد أكثر فأكثر، لكنّ هدف البعلبكي كان أنْ يسهّل الاستعمال. وحتى يحتفظ بحجم عمليّ للقاموس، وفي الوقت نفسه لا يحرم العالم العربيّ من الفائدة، عمد إلى نشر موسوعة المورد التي احتوت كلّ ما غاب عن المعجم الأصل.
اعتقد البعلبكي أنّ الترجمة يجب أنْ تكون مدعومة من مؤسسة مركزيّة عربيّة تركّز على ما يجب ترجمته، وتعتمد سياسات ووسائل تتقفّى أثر الأعمال السابقة لتجنّب التكرار وتبديد القدرات. كما أنّه دعم قضيّة الترجمة التي أصبحت من الموادّ التي تدرّس في الجامعات.
عارض البعلبكي ما أسماه العرب "الترجمة بتصرف"، خصوصاً من قبل من لا يتقن اللغة المنقول عنها، بل يعتمد على من يشرح له محتوى النصوص المراد ترجمتها. المنفلوطي (1876-1924) اعتمد هذه الطريقة في ترجماته عن الإفرنسيّة التي لم يتقنها أبداً.
كما اعترض البعلبكي على الترجمة الحرفيّة، لأنّ لكلّ لغة رموزها التي تتعدّى الكلمات المعجميّة، وتختلف كلّ لغة عن الأخرى في طريقة توظيف التعابير التي تتماشى مع هذه الرموز أو الأفكار. الترجمة الناجحة بنظر البعلبكي هي التي تكون مخلصة للنصّ الأصليّ، وتعتمد على معرفة جيّدة بثقافة اللغتين المعنيّتين، لأنّ نقل المعنى نفسه قد يتطلب تعابير مختلفة في اللغة المنقول إليها، خصوصاً أنّ النقل الحرفيّ قد يشوّه المعنى الأصليّ.
واعتقد البعلبكي أنّ الترجمة أصعب من التأليف. ويستعمل هنا مثالاً طريفاً لتوضيح الفكرة فيقول إنّ التأليف هو أشبه بما يقوم به سائق السيّارة في طريق واسع، يمكن له التحرّك يمنة ويسرة وفي أيّ اتجاه. بينما المترجم هو كسائق الترام، لا يستطيع أنّ يحيد عن السكة.
من إنجازات البعلبكي المهمّة نشره مجلتي "العلوم" و"الآداب"، ونعلم أنّ الآداب انتقلت لاحقاً إلى سهيل إدريس (1925-2008)، وأصبحت من أهمّ المجلات الأدبيّة في العالم العربيّ.
وأنا على الصعيد الشخصيّ مدين لسهيل إدريس الذي نشر لي أولى قصصي القصيرة في "الآداب" عام 1978، ما شجّعني على مواصلة الكتابة الأدبيّة رغم تخصصي العلميّ وانشغالي العمليّ بعيداً عن الآداب لفترة طويلة. كما أنّني إلى يومي هذا أجد أنّ "المورد" أفضل معجم عمليّ دقيق، ولقد لازمني كلّ حياتي، في دراستي، وتخصّصي، وترجماتي، وكتاباتي في اللغتين العربيّة والإنكليزيّة، وأنا صاحب كتب مترجمة إلى اللغتين.
سبق أنْ نشرتُ هذه الأفكار أعلاه باللغة الإنكليزيّة في افتتاحيّة أحد أعداد مجلّة "كلمات" التي كنت أصدرها في سيدني، أستراليا. وليس غريباً أنْ جاء الحديث عن هذين المبدعيْن في عدد واحد، خصوصاً أنّ تفكير ومنهجيّة "كلمات" يعزّزان ثقافة ومنهجية هذين العملاقين الرائدين.

مختص في علوم البحار
مترجم وأديب

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard