فاجأت مدينة زحلة نفسها، وخالفت كل التوقعات، بالنصر الناجز الذي منحته في صناديق الاقتراع، للائحة "اإنماء زحلة" التي ألفها الرئيس السابق لبلدية زحلة اسعد زغيب مع ائتلاف الأحزاب المسيحية الثلاثة "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر" والكتائب ، بحيث فازت اللائحة بالمقاعد الـ 21 للمجلس البلدي. وجاء سقوط لائحة "زحلة الأمانة" التي شكلتها "الكتلة الشعبية" بكاملها مدوياً، بينما لحقت الهزيمة أيضا بلائحة "زحلة تستحق" التي شكلها آل فتوش، ولم يفز من لائحة "حزب الله" التي شكلها من اللوائح الثلاثة سوى الأعضاء العونيين الخمسة.
القراءة التفصيلية لأعداد الناخبين، ونتائج اقلام الاقتراع بحسب الطوائف والأحياء، ستوضح الصورة لجهة البوصلة في سلوك الناخب الزحلي في هذه الانتخابات وصورة الانتخاب الحزبي الذي أفضى الى هذا المجلس البلدي، وفي انتظار صدور النتائج الرسمية مع انتهاء فرز لجان القيد مساءامس ، فإن القراءة السريعة للمشهد العام تفضي الى النتائج الآتية:
وعلى رغم تواضع نسبة انتخابها، الذي عكس عجزاً عن استقطاب الناخبين، ظلت حرارة الحماسة الانتخابية متدنية، حاسبت مدينة زحلة على الأداء السيئ للمجلس البلدي المنتهية ولايته، ولم ترض بأن يحمل رئيس المجلس البلدي وحده الفشل بل طاولت المحاسبة "الكتلة الشعبية" التي أوصلته مع 17 عضواً في الدورة السابقة، وعادت ورشحت 11 عضواً من المجلس الحالي. وزحلة رفضت الخطاب العالي النبرة المتحدي، خطاب "إما أن نكون أو لا نكون"، وانحازت إلى التعددية.
في اقتراع زحلة الذي حلت به لائحة زغيب - الأحزاب أولى، لتكون لائحة "الكتلة الشعبية" أول الخاسرين وتحل لائحة فتوش ثالثة، موقف واضح للمدينة من استخدام المال الانتخابي والنفوذ والقوة المستعارة ترغيباً أو ترهيباً، فصوتت ضدها يوم الأحد، هذا النهار الذي أساء بشدة إلى صورة المدينة التي أطلت على لبنان من خلال الإعلام بصورة شراء الأصوات والضمائر ليشرق نهار اليوم التالي بصورة مغايرة للمدينة.
وإذا كانت زحلة أوصلت اللائحة المدعومة من الأحزاب المسيحية الثلاثة، فإن هذه الأحزاب باتت تدين للمدينة التي أضفت بانتخابها شرعية على مصالحة الأحزاب المسيحية، في أول جولة انتخابية بلدية. بينما أعطت الاحزاب مثالا على تضامنها وتمكنها من ضبط أي تشطيب في ما بينها، الأمر الذي عطّل مفاعيل لائحة "حزب الله". وأثبتت الصناديق أن الاحزاب كانت مصيبة في تحالفها مع أسعد زغيب، الذي أفاد من "بلوكات" الصوت الحزبي وماكيناتها الانتخابية، ولكن زغيب حمل أيضا لهذا الائتلاف الصوت الزحلي الوسطي الذي اقترع للأقوى بين المرشحين لرئاسة البلدية وأعطاه فريق عمل يوصله إلى الرئاسة.
يبقى أن أهم نتائج صناديق الاقتراع أنها حملت مجلساً بلدياً تمثلت به كل طوائف مدينة زحلة، وما كان يُخشى منه لم يحصل، فلم يسقط العضوان السنيّ والشيعي، بل فاز علي الخطيب رغم ان "حزب الله" أقصاه عن لائحته التي أورد فيها المرشحين الشيعيين الآخرين، وقد أفاد المرشحون المختارون على لائحة الحزب من ألف صوت منحها لهم من أصوات محازبيه. وبينما انتخبت عائلات الكرك الشيعية لمصلحة أسعد زغيب، فإن الصوت السني أيضا لم يلتزم حزبيا.
وشاب يوم الأحد الانتخابي، الكثير من العنصرية تجاه شرائح من الناخبين، ولم يتوان البعض عن إثارة النعرات الطائفية من خلال قرع الأجراس بعد ظهر الأحد لإثارة حماسة الناخبين، وواصلت شريحة من المحازبين سلوكها الاستفزازي بتجيير الربح إلى ما بعد زحلة. وإلى ان تنتهي نشوة النصر الحزبية، كان اسعد زغيب واضحاً في توجهه اذ قال لـ "النهار" إن الانتخابات انتهت، والمجلس البلدي المنتخب هو لجميع الزحليين". يمدّ زغيب يد التعاون إلى كل الأفرقاء، ويؤكد انه لن "يتحيز لأحد". وهو سيدير المجلس البلدي كفريق، له ملء الثقة بأعضائه المستقلين والحزبيين، مشيرا الى أن الأحزاب لن تقف في وجه المصلحة الإنمائية للمدينة. وسيوسع زغيب تعاونه ليشرك المجتمع المدني، بحيث يكون قد أعدّ ودرب افراداً مشاريع رئاسة بلدية وقادة في مجتمعاتهم عند انتهاء ولاية المجلس، مشيراً الى أن الشفافية والترفع عن المصلحة الشخصية سيطبعان ولايته للمجلس البلدي.
يقول زغيب أخيراً، انه عندما اطلق حملته الانتخابية، كان متيقناً أنه سيربح مع 20 عضواً لأنه تلمس استياء الزحليين وقهرهم من أداء البلدية والنهج السائد في إدارة شؤون المدينة، وبعدما تزعزعت هذه الثقة عندما ووجه بمقدرات اللائحتين المنافستين وبخاصة في مجال القدرة على انفاقهما، عاد وآمن بفوزه عندما قرأ سمات وجوه مندوبي اللوائح المنافسة خلال جولاته على اقلام الاقتراع. ويبقى زغيب فخوراً بالاقتراع الزحلي سنياً وشيعياً خارج القيود الحزبية.
نبض