في احتفالية الجرح الوطني المفتوح بعد مرور عام على الشغور الرئاسي، تحضرني وصايا حافظ أسرار البطريركية المارونية لأربعة وثلاثين عاماً الخوري ميشال العويط في كتابه "وصيتي الى الموارنة".
بمباشرة وجرأة وتجرد شرحت الوصايا بألم كبير، حال التردّي والانحدار التي أصابت الكثير من الموارنة واللبنانيين على حد سواء، وعلى كل الصعد – وهي ليست بخافية على أحد – بسبب سقوط روحي وقيمي وأخلاقي ووجداني مريع، وما أوصلتهم أيدي الوصايات والتبعية ولحظات الانتهاز والتلوّن الى حيث وصلوا، محطاً للتندر والشفقة والسقوط المدوّي.
يموّه البعض غايات ومرامي انخراطه في "المعركة الوجودية" الجارية على امتداد الأمصار المحيطة بنا، فيما يتناسى الموارنة أنهم في صميم الألم المسيحي الكبير، ألم الجلجلة. فهم ربما يواجهون التحدي الأشد خطورة في تاريخهم كشعب، وفي تاريخ الجماعات المسيحية الشرقية على السواء، وهو تحدي الوجود الحقيقي غير المموه، ليس بسبب الشغور الرئاسي فحسب، بل الخوف الواقع من اضاعة ما أنجزه اللبنانيون معاً منذ انشاء لبنان الكبير.
لا يريد الموارنة ان يحكموا الآخرين، ولا يريدون في المقابل ان يحكمهم الآخرون. و"قد يتخلوا عن رئاسة الجمهورية في لبنان وعن كل مراكز القرار، اذا كان الاحتفاظ بها يعني الاحتفاظ بنفوذ أو جاه او محاصصة أو مغانم. لكنهم سيحتفظون بالرئاسة وغيرها، اذا كان التخلي عنها يعني الخلي عن حريتهم ووجودهم الحر الكريم... " يقول حافظ وأمين الاسرار البطريركية.
لكن ماذا عن الموارنة اليوم؟ ألا يزالون موارنة؟ وماذا عن الساعين الى رئاسة النفوذ والجاه والمحاصصة والمغانم؟ وكيف التوفيق بين القول يوماً "عادت الحقوق الى أصحابها" وبين القول اليوم "لا تراجع عن استعادة الحقوق"؟ الجواب واضح: كان قادة الموارنة اصحاب رسالة فأصبح بعضهم فريسة جنون العظمة وهوس السلطة. هؤلاء عليهم استعادة كرامة قديسهم مارون المفقودة بسبب صغائرهم. فلا خلاص ولا قيامة للموارنة وللبنان إلا باقتفاء خطى المسيحيين الاوائل والموارنة الحقيقيين في الشهادة للمسيح، وان بأثمان مفجعة. إن ما يحتاجون اليه، هو أن يسترجعوا الروح الذي كان يرفرف فوق أجدادهم عندما كانوا يعيشون في يانوح وميفوق ووادي قنّوبين. فهم لم يكونوا على شيء من شؤون الناس، بل كانوا شعباً في خدمة الله. وان يختار شعب ما طريق الرسل، يعني أن يختار الشهادة، مستلهماً خطى بطاركته وأسلافه الذين عرفوا كيف يقفون في وجه التحديات. وعرفوا كيف يخرجون منها راسخين في إيمانهم، أشدّاء في الدفاع عن معتقداتهم وخصوصياتهم، واثقين من مستقبلهم، لا يخوّفهم أحد على مصير كنائسهم ولا يخافوا هم من سبي نسائهم، ولا يشاركوا في عملية التعمية والتمويه على حساب لبنان وشعبه.
لقد أعمت الكثير من الموارنة أمجاد الدنيا وتناسوا أنه لا يمكنهم أن يعبدوا ربين... فنكثوا بالعهود. ولهذا يتخبطون الآن في ظلمة دامسة، وفي منزلقات خطيرة ومعهم لبنان. وعندما ركب الغرور السياسة، فطمعت في الانقلاب على كل القيم والمواثيق والعهود التاريخية، او رغبت في امتطائها والالتفاف عليها وتشويه معانيها، انهار البناء. يوم انقسموا في تاريخهم الحديث، خسروا صلاحيات رئاسة الجمهورية في اتفاق الطائف، واليوم قد يفقدهم انقسامهم الرئاسة والجمهورية.
ويا للأسف أن لقاء بكركي الأخير لم يفض الى شيء، ولم يرق الى مستوى الاجتماعات التي بمقدورها احداث اختراق رئاسي أو احراز تقدم جوهري وتشكيل قوة دفع لانتخاب رئيس جديد. ويقول ممتعضون: كلام البطريرك الماروني يصلح للأسبوع الأول من الشغور... لكن بعد سنة، ظهر وكأنه يمسك العصا من وسطها!
في الخلاصة واليقين أن الأمور لن تصطلح، ولن يكون هناك رئيس للجمهورية، ولن يستعيد الموارنة المبادرة، إلا بعودتهم الى الينابيع وتنفيذ مقررات مجامعهم المقدسة وتطبيق بنود الارشاد الرسولي وعدم التلهي بالقشور، وحين تتحول السياسة فناً شريفاً في خدمة الانسان والخير العام. فهل تتحول؟!
نبض