في "حوار الأيام" (دار الفارابي) يطل ابن الجنوب، حبيب صادق، الولد الثامن عشر في سلسلة من الأشقاء والشقيقات بلغ عددهم تسعة عشر، في حوار مع الصحافي طانيوس دعيبس. انه ابن اليسار الذي حاول تجنب مساره الإنحداري من دون أن يتخذ لنفسه خطاً آخر، والأمين العام لـ"المجلس الثقافي للبنان الجنوبي"، اللقب والدور الأقرب إلى قلب صادق وكيانه. بين السياسة، الفكر والثقافة، يتذكر حبيب صادق، البالغ عقده الثمانين، حوادث عاشها، وعاشتها معه أجيال من مناطق مختلفة من لبنان، خاصة، بيروت والجنوب.
يُدرج دعيبس مقابلته مع صادق في إطار مشروع أوسع يحاول أن يقرأ من خلاله، عبر السرد التذكري لشخصيات كانت فاعلة في المجال العام اللبناني، التاريخ المعيش في لبنان، في حقباته الحديثة المتأخرة والمعاصرة.
من الجنوب، مكان النشأة والبدايات، إلى جنوب النشاط السياسي والإنتخابات والمواجهة، مروراً ببيروت، خيط واحد يجمع حكايات تكوّن المخيّلة الجماعية للبنانيين. أي ما يشكّل اليوم إحدى ركائز علم الإجتماع الحديث. هذه التقنية أطلق عليها حبيب صادق تسمية "معالم من خارج
الحوار"، بالمقارنة مع "معالم الحوار"، الذي ابتدأت معه رحلة إعادة قراءة أيام العمر بحملها الثقيل والمثمر.
نبدأ من الخيام، حيث انصرف صادق إلى العمل إلى جانب الفلاحين والعمال الزراعيين. فقد اضطر، منذ يفاعته، للعمل من أجل كسب دخل يساعد الأسرة إثر وفاة الوالد، فعمل على النورج لتنعيم قمح البيدر، والتقط سنابل القمح من الحصيد بعد مرور الحصادين لبيعها... وغير ذلك من الأعمال.
يبرز أثر المنشأ العائلي في حياة صادق حيث يذكر انتفاء العلاقة بوالده. فالوالد منهمك بمسؤولية موقعه الديني ورجاحة مرجعيته. ولم ير منه صادق تاليًا ما يشعره بدفء الأبوة والإحاطة الواجبة. يقول حبيب صادق (51-52): "لا أذكر أني جالست أبي الشيخ إلى مائدة طعام في أي يوم من الأيام! لا أذكر أنه استدعاني يومًا وسألني عن حالي، عن كتبي ودفاتري وعن مستوى دراستي! لا أذكر أني تلقيت، منه، هدية من تلك الهدايا التي تقدم إلى الأطفال في مناسبات سعيدة. لا أذكر أنّه دخل علينا، يومًا، الحجرة المخصّصة لنا، في الدار الكبيرة، للوقوف على حالنا والإطمئنان إلى عيشنا.
من هنا أراني، حزينًا، بالغ الحزن، إذ أُكره نفسي على القول: أنه لولا الصورة الشمسية المعلّقة على أحد جدران الحسينية في النبطية، لكنت أجهل خلق الله بمعرفة ملامح وجهه البادية، في الصورة...".
درس حبيب صادق في مدرسة رسميّة في المرحلتين الإبتدائية والتكميلية. كما أكمل دراسته الجامعية في معهد شكّل، مع دار المعلمين، اللبنة الأولى في انطلاق الجامعة اللبنانية. أما مباشرته الحياة العمليّة والمهنيّة فقد تمّت، هي أيضًا، في القطاع العام: من أستاذ ابتدائي إلى رئيس دائرة.
من الجنوب إلى بيروت، لم تكن تجربة حبيب صادق محصورة بتجربته في التعليم الرسمي. فهو منذ مجيئه إلى بيروت سيرتاد منابر ثقافية بارزة، ويختلط مع حسين مروه ومحمد دكروب، والشيخ العلايلي وغيرهم الكثير.
في بيروت، التي كانت تختصر، في نهاية الخمسينات من القرن الماضي، مراكز القرار والاقتصاد والثقافة والتعليم العالي والحياة المنفتحة، كانت أيضًا تعيش إرهاصات انفجار. فالتحق صادق بمن لجأ إلى السلاح، مقاومًا عسف السلطة وعنتها. استقر في النبطية مع رفاق له، يساريين وعروبيين، وامتشق السلاح معهم. ما يرويه صادق عن تلك الفترة من التاريخ اللبناني-العربي مذهل وممتع.
وعلى رغم انخراط صادق في العمل السياسي إلا أنّ الزعامة في لبنان قوامها ثلاث: الطائفة، المنطقة والعائلة. وهذه نظريّة استخدمها مؤرّخون ومحللون سياسيّون كي تجيب عن سؤال التمثيل السياسي في لبنان وميزاته.
الأهم ممّا تقدّم، أنّ معركته كانت أولاً ضد مَن تمثلت فيه صفات العائلة والطائفة والمنطقة. ثم تحوّلت في ما بعد ضد من تمثلت فيه مزايا السلطة والطائفة والمنطقة دون العائلة. التزم صادق جانب الفقراء، وموّل معاركه الانتخابيّة من ناخبين لم تعرف الثروة طريقها إلى غالبيتهم، فألحّ على حق هؤلاء "الفقراء" في الافادة من الخدمة العامة بدون ثمن سياسي أو ولائي.
"حوار العمر"، أو سيرة حبيب صادق الإنسان والأديب والسياسي، ثرية وتتمثل في الدور الريادي الذي مارسه ولا يزال في قيادة المجلس الثقافي للبنان الجنوبي منذ البدايات حتى هذه اللحظة. وقد احتفل العام الماضي بالذكرى الخمسين لتأسيس المجلس مع جائزة الشرف من مؤسسة محمود درويش. كذلك في مشاركته في تأسيس اتحاد الكتاب اللبنانيين مع كوكبة من كبار أهل الأدب والثقافة. كما تمثّل الدور الأكثر صعوبة، في خوض صادق غمار الانتخابات النيابيّة. منذ العام 1968 وصولاً إلى
آخر مرحلة قرّر فيها الخروج نهائياً بقرار حاسم وقاطع من العمل السياسي المباشر تعبيراً عن مرارة كانت لها مبرراتها... ولا تزال.
نبض