النسق والكاوس في روايات سليم بركات

13 حزيران 2015 | 00:00

يفيد النسق نظاماً واضحاً للسرد الروائي، فيما يعني الكاوس العماء والفوضى واللاتعيين. وإذا كان النسق شكلاً تتخذه الرواية لطرح خصوصيتها الأسلوبية، فإن الكاوس يعمد إلى كسره وإحلال نسق آخر محله بغية خلق مساحة خيال جديدة داخل وعي القارئ، وداخل اللغة.

يعكف الدكتور محمد بوعزّة في بحثه الأكاديمي الجديد، "هيرمينوطيقيا المحكي" (دار نايا، بيروت، 2014، 368 صفحة)، الذي نال عليه رتبة "مشرّف جداً" تحت إشراف الدكتور سعيد يقطين في جامعة محمد الخامس في الرباط، على تناول ثلاث روايات لسليم بركات، متلمساً طرق السرد لديه ونماذج الحكايات الأسطورية والفولكلورية الكردية، وعلاقاتها المتشابكة، أفقياً وعمودياً، مع النسق الغرائبيّ المكثف (الحلم، الفانتازيا) الذي يسم أسلوب الشاعر والروائي سليم بركات في معظم أعماله. الروايات الثلاث موضوع البحث والدرس هي: "فقهاء الظلام" (1985)، "الريش" (1990)، و"معسكرات الأبد" (1993).

المحكيّ في "فقهاء الظلام"
نجد في راوية "فقهاء الظلام"، شخصية بيكاس التي تولد وتكبر خلال 24 ساعة من لحظة ولادتها إلى لحظة هروبها وضياعها (الموت) في خاتمة الرواية التي ما هي سوى اختصار لعمره القصير والمضغوط في يوم واحد فقط، وما يحمله من أسئلة تربك الأب التقليدي والده (الملا بيناف) وأمّه، مع حكايات فرعية مستلة من محيط القرية حيث يعيش المجتمع الكردي شمال شرق سوريا.
"يجمع بيكاس في كينونته بين ما ليس قابلاً للجمع، بين المتناهي واللامتناهي، بين الإنساني والخارق، بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين المرئي واللامرئي... وتتداخل المتناقضات في مساره السردي: الاختفاء والظهور، العقل والجنون، الطبيعة والإنسان، المقدس والمدنس. إنه الظلام الشامل، المتاهة والعماء، ما دام يحطم كل مرجعيات الفهم، ويوقع بالشخصيات في فخاخ الحيرة والجنون والعبث" (ص322).
تنقسم الراوية في خطين سرديين متوازيين ومتقابلين، إذ يحمل كل فصل حياة خاصة مقابلة لفصل تالٍ. ثمة حركة الكائن الحيواني اللزج، وهو وصف لما قبل تكوّن الإنسان في الرحم جنيناً. ثمة في المقابل حياة بيكاس، والده وأصدقاء والده وأقربائه، التي تنضغط وتتحول وفق مسار سريع غير عابئ بالزمن الفيزيقي الطبيعيّ. يشكل ذلك عامل ضغظ على وعي الوالد (السلطة والعائلة) حينما يولد بيكاس، وتختلط لديه فرحة تجدّد أبوّته مع مشاعر الخوف والرهبة، مما يدفعه إلى الإحساس بمصيبة حلت عليه، وفي الآن تشدّه إلى بيكاس مشاعر الأبوة والعطف.
يرى الباحث أن "المحكي المركزي في "فقهاء الظلام" يتفرع عبر آلية التوالد الذاتي إلى محكيات عديدة، هي محكي بيكاس ومحكي الملا بيناف ومحكي عفدي ساري، ومحكي مجيدو بن عدفي ساري...، مما يحفز آلية التوالد الذاتي بين هذه المحكيات عبر ارتباطها بواسطة علاقة قرابة، ذلك أن الشخصيات الأساسية في هذه المحكيات تربط بينها علاقة أخوة أو صهارة أو أبوة".
من ضمن ما يخلص إليه الباحث وجود تقاطع بين أقدار أسرة الملا بيناف والتاريخ الكردي. فمدار رواية "فقهاء الظلام" هو الإشكال القدري من خلال سؤال الحيرة التي تحاصر الأب وعدم قدرته على قول الحقيقة ولا نقلها إلى أبنائه. ومثلما "كانت مصائر بيكاس خارج أي تدبير عقلاني، فإن التاريخ الكردي ظل خارج تدبير الأكراد، حيث تتحكم فيه قوى إقليمية خارجية وتدبره وفق مصالحها" (ص 174). تتضمن الصفحات الأخيرة من "فقهاء الظلام" رحلة في عاصفة ثلجية حيث تنتهي سيرة بيكاس مساءً، فيما يجهد الأب بحثاً خائباً عنه، كما لو أن ولادته التي بدأت بأعجوبة صباحية مبكرة ما هي سوى تمهيد إلى نهايته المسائية الملغزة التي تنتهي برحلة ثلجية.

القرين والروح المزدوجة في "الريش"
تتناول "الريش" أزمة النظير أو الندّ (القرين) حيث يتناوب التوأم مَمْ محطات حياة مزودجة، حيوانية وإنسانية معاً، إحداها في قرية الهلالية (قامشلو) والأخرى في قبرص حيث مهمة البحث عن "الرجل الكبير".
يرى الباحث أن اللغز في هذا النص الساحر يخالف بنية اللغز في الرواية التقليدية التي يتم فيها طرح اللغز في البداية وتأجيل حله بواسطة إبطاءات سهلة ومعروفة إلى النهاية المتوقعة، حيث ينكشف اللغز، بغرض التشويق وإثارة القارئ. في المقابل، لا يأتي اللغز في رواية "الريش" إلا ليزيد عماءً وتشويشاً في مسار تصويره، ولا يتم حله ولا إضاءته قطّ. يتضاعف اللغز في دوائر أصغر وأكثر التصاقاً وعضوية داخل جسد البطل مم، حينما يتحول إلى ابن آوى ويكتسب خاصياته الحيوانية التي تحرره من معايير العقلانية المقيدة لهويته الإنسانية.
على هذا النحو، كما يرى الباحث محمد بو عزة، تنهار مبادئ الهوية والعقل بمعناهما الحصري والحاصر، ومعها يتمزق منطق الراوية التقليدية أمام ظاهرة التحول والمسخ الفريدة، إذْ في ليلة واحدة يتحول مم إلى ابن آوى ويتجه إلى الحقول ليتلحق بفصيلته الحيوانية: "ومم آزاد يطلق عويله أيضاً بين جنسه الحيواني، رافعاً عنقه على شكل قوس مشدود، فيما يهتز لسانه الطويل اهتزازاً قاسياً داخل فكيه المفتوحين في صرامة" ("الريش"، ص 26، ص 324 من الكتاب). وفي الفجر يعود إلى المنزل وقد تحوّل إلى إنسان.
يلاحظ الباحث المغربي أن شخصية مم في راوية "الريش" تتقاطع مع شخصية بيكاس في "فقهاء الظلام"؛ فلا قواعد تتحكم بتحولاتهما سوى الهذيان والتناقض والطفرة التي تحطم حدود العقل. ففي إمكان مم أن يكون إنساناً وحيواناً في الوقت نفسه، وهو كحال بيكاس لا يستقر على هوية واحدة ثابتة، أو يتجدد وفق حال في عينها، وبذلك يخرق الحدود والمعايير.
في شبكة التحولات اللاعقلانية هذه، على تقاطعها مع الجغرافيا الكردية المتأزمة وصراع الهويات، وعنف السلطات الديكتاتورية المتلاحقة، يطير الملا سليم، والد مم، حينما يتكلم مع النهر والنبات والطيور، ويلاحقه ابنه في رحلة صيد إذ يتمنى بذلك اللحاق أن يغدو مثل أبيه، أو ليصير أباً في التو والآن، فيجمع الطفولة إلى الرجولة والبراءة إلى القوة بقبضة واحدة.
هكذا إذاً، تسقط الحدود، التي طالما مثّلت جرحاً في الوعي الكردي بالمعنى السياسي، وتنهار فواصل الحواس أمام قوة الخيال المحلق، ليتشيّد عاملٌ تتفاعل فيه الكائنات من بشر وحيوان ونبات، من سماء وغيوم ومطر وعشب وزهور برية، وتتبادل الخصائص والهويات؛ غير عابئة بمبادئ العقلانية والمنطق المعهودة والمستقرة.

ملائكة وأشباح في "معكسرات الأبد"
تعدّ رواية "معسكرات الأبد" تلخيصاً عجائبياً لأعوام وجود الفرنسيين في شمال شرق سوريا. وتأخذ الرواية على عاتقها تظهير تلك الفترة وفق مسار ومصائر شخصيات هامشية طَرَفية، لكنهم يظهرون كأشباح (أحمد كالو، موسى موزان، وخاتون) من جهة، مع وجود ملائكة يحملون خرائط (مكين، نفير، وكليمة)، إضافة إلى بحث عبثي للوصول إلى مكمن الكائن الناري، وهو أحد ألغاز الراوية، الماكث خلف الهضبة التي تعدّ مسرح الراوية ومجال تحرك حوادثها.
يرى الباحث محمد بو عزة أن السرد في هذه الراوية يتجه إلى "تفريد الشخصية الطفلة هبة، حفيدة موسى موزان، حيث يشكل هذا التفريد العتبة الأولى نحو تفريغ محكيّ فردي خاص، يستقل عن محكيّ عائلي تقليدي لبنات موسى، غير أن هذا النموذج الفردي لا يذهب بعيداً في الانفصال عن النموذج العائلي، ربما لأن الفاعل ليس سوى طفلة" (ص 106),
عدا الطفلة هبة، ثمة المحكيّ السرديّ لكل من الديكَين، رَشْ وبَلَكْ، ومحكيّ الملائكة الثلاث، مكين وكليمة ونفير، والأوزات الثلاث أيضاً. هكذا نعثر على تقاطع تاريخي وجغرافي مع تسليط الضوء على وجود حيواني أليف يربط الريف بمشقة تجاوز حدود الجغرافيا المغلقة والخيال الجمعي (ثورة عامودا) مع واقع الألم والصراع السياسي العربي الكردي الفرنسي، حيث تأخذ معارك الديكين رش وبلك بداية الرواية ونهايتها، بما يشي كونهما رمزَين عن صراع عبثي سرعان ما ينتهي حينما ينال التعب منهما، ويهبطان الهضبة نحو الدغل، ويختفيان مثلما ظهرا في بداية الراوية.
تأخذ الحوارات بين الشخصيات، في رواية "معسكرات الأبد"، طابعاً واقعياً وخيالياً في وقت واحد، ففي الوقت الذي تنصرف فيه بنات موسى موزان إلى تدبير شؤون الحياة اليومية (التنظيف، جلب المياه، الطبخ، استقبال الضيوف...)، يأتي كل من مكين، وكليمة، ونفير، كي يدخلوا سردهم اليومي العادي في طور آخر، إذ يبحثون عن الكائن الناري، مع تبادلهم بعضهم مع بعض كلاماً لا يفهمه أحد من بنات موسى موزان، ولا الحفيدة – الطفلة هبة. في المقابل يستمر موسى موزان في اخفاء الكائن الناري تحسباً منه على اعتباره "الشيطان" الذي يجب مدّه بمياه باردة كي لا يخرج من مخبئه ويطيحهم. هناك إذاً ما يجعلنا نفهم عن وجود حوار "أجنبي" غير مفهوم بين طرفين، الأول يرى في الكائن الناري شراً مطلقاً يجب تحاشيه، والثاني يأتي كي يكتشف مكانه، كما لو أنه كان كنزاً ينبغي إماطة اللثام عنه.
تتجسد الأبعاد الزمانية في هذه الرواية، كما يلاحظ الباحث، في صورة فقدان الأرض ومعاناة الاحتلال، ويتم ترهين هذه الوضعية من خلال صورة الحملة الفرنسية التي تؤسس لنمط ونظام عيش جديدين، بما تمثله من تداعيات رمزية على نماذج الفهم والتمثل الذاتيين لدى أبطال الرواية، الذين تشكل الهضبة، كمعطى جغرافي محدد من مدينة قامشلو في عشرينات القرن الماضي حتى أربعيناته مكاناً تجتمع من حوله الحوادث: "وفوق ذلك الجزء من الهضبة، على مبعدة غير هينة من حوافها بالطبع، كانت الحفارات والمحادل الفخمة التي جاء بها الفرنسيون لتعبيد طرق الإمداد تعمل في صخب على ترتيب أمور استغلقت على قاطني المنزلين فوق الهضبة، وعلى طيور الهضبة، ونباتها" (ص 245).
بسبب هذه التحولات المفاجئة للهضبة، تنهار الحدود والمعايير. يُقتل موسى موزان وأحمد كالو وخاتون؛ يغيبون عن الهضبة، لكن لا شيء يفوتهم مما حدث، فالموت لا يشكل حداً فاصلاً بين سكان المكان وسكان المعنى حسب التخيل الروائي لسليم بركات.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard