لا يمكن الموارنة ان يتناحروا في ظرف اقليمي عصيب، ولا يمكن البطريركية المارونية ان تصل الى الاحباط واليأس من حال ابنائها المتزعمين والطامحين الى الرئاسة.
الأقطاب الموارنة الاربعة وغيرهم من المستقلين يرون المخاطر ويبصرون جيدا واقع الحال اللبنانية والمسيحية، وكذلك البطريركية المارونية تدرك جيداً المخاطر المحيطة بشعبها ووطنها.
ان الرئاسة امر يقرره الداخل والخارج معا، لكن الهامش المتبقي للموارنة ليس بقليل.
اللبنانيون بكل طوائفهم ومذاهبهم ما زالوا اوفياء للميثاق والصيغة، وهم بغالبيتهم الساحقة يرغبون في استمرار الرئاسة الاولى في يد الموارنة وهذا ما عبّر عنه القادة المسلمون سنة وشيعة ودروزاً.
المأزق اذاً ماروني، متأت من منافسة عمياء بين المترئسين والطامحين، وبسبب غياب قوة ضاغطة روحية وسياسية مارونية تدفع في اتجاه ولادة رئيس، وتؤكد بالتالي للشركاء اللبنانيين أن الموارنة ما زالوا بخير كنيسة وشعباً.
عقدة الاقطاب يمكن حلها متى توافرت شروط عقلانية ومناخ روحي وفكري ضاغط، فحين يصرح الوزير سليمان فرنجيه بأنه مع الجنرال عون في ترشحه للرئاسة، وحين يردد "حزب الله" ان مرشحه الوحيد معروف من الجميع وقد اعلنه جهاراً في عدد من المناسبات يبقى على القطبين المارونيين التقاط الفرصة والاقرار بأن المرحلة الحالية القاسية يجب تخطيها بالممكن والمقبول، والممكن هو ان يقبلا الجنرال رئيساً وهذا لا ينتقص أبداً من كرامة الرجلين الدكتور جعجع والرئيس الجميل.
لن ينال اي رئيس من حصة السنة وفي يدهم رئاسة مجلس الوزراء، وما اعطيت من صلاحيات جديدة وواسعة، لهذا السبب لن تترك الرئاسة الاولى الأثر الكبير سلباً او ايجاباً على واقع دستوري وسياسي، انها رمز وطني يصيب الموارنة منه نصيب معنوي ويشكل سنداً نفسياً لا بأس به، ناهيك عن ان الجنرال عون يملك كتلة نيابية ووزارية وازنة وله الحق في الوصول الى الرئاسة الاولى كونه شيخاً من شيوخ الموارنة يتقدمهم سناً وخبرة.
انا لا أنكر على المستقلين ايضاً طموحاتهم المشروعة، لكن الظرف يقضي بأن تكون الطائفة المارونية عقلانية وواقعية، وعلى البطريركية المارونية تأدية دور اكبر في التوجيه والارشاد وفرض رؤية منطقية تضع الجميع امام امتحان ضمير.
ان انقاذ الجمهورية والعودة الى احياء المؤسسات امر اساسي في انقاذ الوطن والميثاق وفي انقاذ المسيحيين، وان الاجماع الماروني حول مرشح والتخلي عن منافسة قاتلة يؤكد للجميع وجود مظهر حضاري وبيئة سياسية وثقافية عقلانية تستطيع تلمس ابواب الخلاص. إن كل امر آخر يقودنا الى التهلكة ويقرب الوطن من النزاعات والتلاشي.
الموارنة اذاً لاعب لا بأس به في خيار الرئيس المقبل وعلى رأسهم البطريركية المارونية.
العقلانية المارونية تعرف جيداً ان اغضاب الافرقاء الآخرين سنة وشيعة ودروزاً امر فيه الكثير من التهور، لأن الوضع الداخلي والاقليمي مزعج وقابل في كل لحظة للتمدد الى الواقع اللبناني وعلى الموارنة ان يكونوا السبّاقين في تدعيم الوحدة الوطنية وتجاوز انانياتهم الضيقة ليربحوا مستقبلهم ومستقبل وطنهم، وان يشكلوا لبنة اساسية في بناء مجتمع متسامح انساني.
يجب ان يتوقف الترف السياسي الماروني فكل يوم يمر من دون رئيس هو وقت ضائع، وهي لحظة اضافية تسجل في خانة تراجع الموارنة وخسارتهم امام الرأي العام الداخلي والاقليمي والدولي والاقرار العلني بأنهم غير جديرين بهذا المنصب وغير قادرين على استنباط مخارج ضناً بكرامتهم ونفوذهم، فماذا يمنع الاقطاب الموارنة من الاجتماع الفوري في صرح بكركي وخروجهم ببيان وثيقة يدعمون فيه ترشيح الجنرال عون، وهذا البيان سيشكل تحدياً للجنرال في تعامله المستقبلي وسيكون ديناً عليه لا يستطيع الخروج او التفلت منه بسهولة.
الأكثر قراءة
انخفاض البنزين وارتفاع المازوت... كم بلغت الأسعار؟
نبض