الخرق الأمني الكبير الذي سجّل بالتفجير الانتحاري المزدوج في جبل محسن، لا يقاس فقط بعدد ضحاياه، ولا بجغرافيته السياسية والاجتماعية، بل بتوقيته وبطبيعته التي ما زالت تعتبر غريبة عن المجتمع الطرابلسي المعروف بانفتاحه وبتاريخه في العيش المشترك. ومن هنا يبدأ درس هذا الخرق ومؤشراته الخطرة.
فبقدر ما أدى هذا الاعتداء الانتحاري على أبناء جبل محسن الى رفض وادانة وتُبرَّؤ لدى الشارع السني، وتعقل وتعالٍ فوق الجراح من الشارع العلوي ، تزداد المخاوف من سيناريو مرسوم لطرابلس، قد لا يكون ما جرى سوى حلقة أولى منه.
وفي هذا السياق، يطرح المشايخ الذين عرفوا بـ"الصوت المسموع" في أوساط الشباب الطرابلسي، الكثير من التساؤلات القديمة - الجديدة، عن التعامل الرسمي مع الإسلاميين، ولا سيما قضية الموقوفين في سجن رومية "الذين لا يحاكمون، ولا يفرج عنهم، وتفتح لهم الاتصالات الهاتفية مع الخارج، في حين كان يمكن قطعها في اي لحظة. فهناك شباب يعتبرون مظلومين ويؤخذون بجريرة المتورطين، مما يؤدي الى مزيد من الشحن في أوساطهم .
ويسمع همساً في أوساط بعض المشايخ السنة، ان مضي الدولة في تعاملها مع ملف الإسلاميين بالطريقة نفسها قد يزيد التطرّف، لأن من هو قادر على ان يواجه هذه الموجة هم المشايخ المعتدلون الذين وضعوا جانباً في الفترة الأخيرة وقيّدت حركتهم.
وعلى سبيل المثال يذكر، رئيس "هيئة علماء المسلمين" الشيخ سالم الرافعي الذي يحاصر اليوم بملف قضائي قد يشهر في أي لحظة بوجهه بتهمة أنه حرّض الشباب السني على الجهاد في سوريا. كما ان الشيخ نبيل رحيم المقرٰب منه، أعيد فتح ملفه الذي كان حكم به، بنقله من محكمة التمييز العسكرية الى المجلس العدلي، وهو سيمثل امام رئيس مجلس القضاء الأعلى جان فهد، او نائبه القاضي أنطوني عيسى الخوري، الجمعة، ومن غير المستبعد توقيفه في جلسة المرافعة التي ستلي جلسة استجوابه، الى حين صدور الحكم.
ويسأل بعض هؤلاء :"اذا كان المشايخ المعتدلون والذين ادوا دور الإطفائي طوال الفترة الماضية مهددين اليوم، فمن يضبط الشارع؟ وإذا كان ١٢٠ شاباً قد غادروا طرابلس منذ أربعة أشهر، فكم سيغادر منهم كلما ازداد التشدُّد الرسمي معهم؟
حتى ان بعض هؤلاء المشايخ يشككون في ان الانتحاريين كانا في سوريا، بدليل ان طه الخيّال كان مطلوباً لمشاركته في احداث باب التبانة، وكان أوقفه الجيش يومين وأخلى سبيله ، قبل آخر معركة في طرابلس، وبلال المرعيان ليس معروفاً في منطقة المنكوبين.
ويعتبر هؤلاء المشايخ ان ازدواجية المعايير التي تتعاطى بها الدولة بدءً من تفجيري مسجدي التقوى والسلام، هي التي تدفع المغرّٰر بهم من الشباب السني باتجاه المزيد من التهوُّر والاستغلال.
وفي حين يتولى فرع المعلومات التحقيق في التفجير الإرهابي، وقد أصبح لديه خمسة موقوفين تبيّن انهم كانوا على تواصل مع الانتحاريين، والتحقيقات هي التي ستظهر ما اذا كانوا متورطين، تؤكد مصادر عسكرية ان الخطة الأمنية مستمرة وان الاجراءات ستعزّز مع رفع مستوى التنبّه والحذر، اما الحديث عن وجود اكثر من مئة وعشرين شاباً وفتى ضمن خلايا ارهابية نائمة، فتعتبره المصادر العسكرية معلومات او تحليلات إعلامية، حتى وان كان الجميع على علم بأن من يقاتلون من اللبنانيين في سوريا هم بالمئات .
ووفق المصادر العسكرية ان عملية تنظيف سجن رومية جاءت بقرار اتخذ في الاجتماع الأمني الذي ترأسه رئيس الحكومة تمام سلام ليل الأحد، بعدما تمّ رصد اتصالات بين الإرهابيين والسجن.
والترابط كان واضحاً بين القلمون وسجن رومية، والدليل انه لمجرد بدء المداهمات اصدرت "جبهة النصرة" بيانها، وتهديدها في موضوع العسكريين المخطوفين.
وترى المصادر العسكرية ان التفجير الانتحاري المزدوج هو ترجمة للمأزق الذي تعانيه المجموعات الإرهابية في ظل الأجواء السياسية المريحة في الداخل اللبناني اكثر من السابق، والحوار المتقدّم بين "المستقبل" و"حزب الله" والذي يجعلها مكشوفة سياسياً وأمنياً. وقد يكون هدف هذه العملية الاجرامية تعطيل الحوار عبر الدفع الى ردات فعل غرائزية.
وترى المصادر العسكرية ان تقدّم الحوار السياسي يشكل تهديداً لهذه المجموعات الإرهابية ، ويفقدها البيئة التي يمكن ان تتحرك فيها.
ولا تستبعد المصادر العسكرية ان يكون السبب الآخر وراء هذا التفجير المزدوج فشل المجموعات المسلّحة في إيجاد امتداد لها داخل المناطق اللبنانية. ومعلوم ان الجيش قضى على خلاياها بعمليات استباقية. فهم كانوا يحاولون في البقاع إقامة مناطق بديلة عن المناطق الجردية التي باتت ظروفها المناخية قاسية وصعبة، وفشلوا، وجاء الحوار السياسي ليزيد كشفهمً.
في اي حال، طرابلس يتهدّدها خطر مرض عضال، بخروج خلايا في جسمها عن مسارها الطبيعي، وإذا لم تعالج قبل فوات الأوان، فإنها ستتكاثر وتقضي ليس على الخطة الأمنية فحسب، بل على نسيج المدينة وجوارها.
الأكثر قراءة
توقيف غامض ونقل إلى سوريا وروايات متناقضة تضع الدولة أمام مسؤولية كشف ما جرى، وسط مخاوف أمنية وديبلوماسية.
نبض