كتاب - "غريب... لا شيء عنكِ في ويكيليكس" لمروان علي كلّما تذكّرتُ سوريا نبتتْ شجرةٌ في حديقتي

7 تموز 2014 | 00:55

تبدو قصائد مجموعة الشاعر السوري مروان علي "غريبٌ... لا شيء عنكِ في ويكيليكس"، الصادرة عن "دار مسعى" (المنامة)، أقرب إلى "اليوميّات" من حيثُ تحرّرها من نمذجة النص في مدارس وخانات، جاهزة ومُعدّة مسبقاً. نجد اللغة الخفيفة، المأخوذة من لغة الواقع، المشبعة بمفارقات الحياة اليوميّة نفسها، إلى جانب العمل على صوغ الجملة المكثّفة وتأطيرها ضمن بداهة المشهد الملتقط.
هذه "اليوميّات" بنداوة بتلاتها وتشابك أغصانها/ كلماتها، سبق وقرأناها بشغفٍ في فضاءات التواصل الإجتماعي (الـ"فايسبوك")، تذهب عميقاً إلى لملمة المهمل من الأشياء وأنسنتها، ومن ثمّ الركون إلى جوارها، من دون أن تُثير بدائيّتها أو تستفزّها، لئلا تفقد بريق خصوصيّتها؛ الدهشةُ.
نرى الشارع "الذي تسيرين فيه/ لا يستطيع/ أن يُخفي/ سعادته..."، و"الكرسيُّ/ الذي تجلسين عليه/ عاد شجرةً خضراءَ/ في هذا الخريف..."، وتنورة الحبيبة الزرقاء ستجعل الموجة والأسماك تخطئ طرقها إلى البحر: "بين أزرقِ البحر/ وتنّورتكِ الزرقاء/ أخطأتِ الموجةُ/ والأسماكُ/ طريقَها..."، حتى الدبّابات لا بدّ أن تبحث عن شجرةٍ لتخلد إلى الراحة تحت ظلها حين تتعب وتأخذ قيلولةً بين قصفٍ وآخر: "ستتعب الدبّابات/ ولنْ تجد شجرةً/ ترتاح تحتها"، لكنّها لن تتذكّر ما قصفتْهُ، لأنّ "ذاكرة الحديد ضعيفةٌ جداً".
في قصيدة مروان علي، انحياز كلّي لتأسيس تقنية جديدة تخدم شعريّة النص وديمومته، وتجعله في تقارب إشكاليّ مع فنون أخرى، ألا وهي لعبة التقابل أو انعكاس الصورة في المرآة، وتأصيلها، وذلك بالاتكاء على شعريّة الكاميرا وتضاداتها، سواء من خلال بَرْوَزة "رسم - تشكيل" واضح الحواف، أو من حيث تحديد زاوية التقاط الصورة ذاتها، في تناغمٍ جماليّ يتناسب وحجم القصيدة القصير والقصير جداً في أغلب الأحيان. يقول "بين الخصر/ والتاتو الأزرق/ في أسفل الظَّهر/ وحافَّة التانغا/ يقف بؤبؤُ عينِي/ مندهشاً./ بين خطِّ النهدين/ وفوق مرتقى الفخذين/ تغادر أصابعي يدي./ متأمّلاً قطرات الماء/ تنساب بخجلٍ/ فوق الصرّة".
بقدر ما يبتعد مروان عن طبيعة البيئة الواحدة وعوالمها المنغلقة، يعولم قصيدته ويجعلها أكثر ألفةً لدى الآخر، عابرةً إلى ذائقة القارئ أينما كان أو انوجد. جواز عبورها هنا، شعريّة بساطتها المذهلة.
ففي قصيدة "غرور" يقول: "القصيدةُ/ التي أكتبها عنكِ/ لا بدّ أن تكون جميلةً./ القصيدةُ/ التي أكتبها عنكِ/ ستتباهى بكِ/ أمام قصائدي القديمة..."، و"هذه الرائحةُ/ لا تفوح من الأزهار/ بل من آثار/ أقدامكِ الصغيرة/ على العشب"، "حتى الألم/ الذي بقي في مكانه/ بعد مغادرتكِ/ كان عذباً".
يعلن مروان علي أن لا أنثى أو حبيبة تُكتَب لها القصائد، سوى سوريا (بلد الشاعر): "وأنا أُعيدُ ترتيبَ/ قصائد مجموعتي الجديدة/ اكتشفتُ أنّ كلّ قصائد الحبّ/ كانتْ لكِ/ لكِ وحدكِ يا سوريا". لذا يقرّر: "لن أنشر القصيدة/ التي كتبتُها عنكِ/ أخاف/ أن يقع المحرّرُ والقرّاء/ في حبِّكِ"، فقط: "أفكّر في كتابةِ شيءٍ/ أيّ شيءٍ/ ولكن قبل ذلك/ أريد أن أضع رأسي/ على صدر سوريا/ وأبكي"،
مجموعة "غريبٌ... لا شيءَ عنك في ويكيليكس"، وهي الثانية للشاعر مروان علي (من مواليد 1966)، لا تترك نتفةً إلا وتلتقطها، مؤرخةً ومؤرشفةً في معظم قصائدها لحساسيّة أيامٍ حرجة نمرّ بها، جرّاء ويلات حربٍ طال أمدها.
قصائد وإنْ بَدَتْ قصيرةً، ومقسّمة مقاطع/ مشاهد متتالية، تتداخل فيها- في علاقةٍ حميمةٍ- الأفكار والرؤى، لتشكّل قصيدة "سمفونيّة" واحدة، هي من دون شكّ جداريّة الألم السوريّ الراهن؛ "عبر البحرِ/ والجبال البعيدةِ/ أنظر إليكِ/ يا بلادي/ وأكتب على الرمل والهواءِ:/ سوريا"، وحيث "في كل البلاد التي زرتها/ شيء من سوريا/ بابٌ، شجرةٌ، غيمةٌ، امرأةٌ، صديقٌ، أغنيةٌ/ كلما ابتعدتُ لأنسى/ تَذَكّرتُها" و"كلَّما تذكَّرتُ سوريا/ نبتتْ شجرةٌ في حديقتي".

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard