حوار - داليا مجاهد أول مسلمة مُحجّبة اختارها الرئيس باراك أوباما مستشارة له: المسلمون يحبّون الديموقراطية ويغضبون على أميركا بسبب سياستها لا حريتها

18 حزيران 2014 | 00:00

كانت صوت المسلمين في البيت الأبيض. داليا مجاهد باحثة أميركية من أصل مصري، ترأس مركز "غالوب للدراسات الإسلامية" الذي يجري أبحاثا وإحصاءات تتعلق بالمسلمين في أنحاء العالم، تنشرها صحف ودوريات بارزة مثل "وول ستريت جورنال" و"هارڤرد إنترناشيونال ريڤيو". تعيش في واشنطن مع زوجها وابنيها؛ برز اسمها حين اختارها الرئيس الأميركي باراك أوباما لتكون المسلمة الوحيدة في المجلس الاستشاري الذي يساعده في معرفة دور الأديان الحقيقي، ولا سيما العلاقة بين الإسلام والغرب، وعدم النظر إلى هذه العلاقة كمصدر للمشكلات. احتلت داليا مجاهد المرتبة الثالثة في لائحة أقوى 100 شخصية عربية عام 2010، الصادرة عن مجلة الأعمال الإماراتية "أريبيان بزنس"، الأمر الذي أثار استغرابها. هنا حوار معها:

¶ لمَ اختارك الرئيس باراك أوباما مستشارة في مجلس الأديان المكوّن من ممثلي 25 طائفة وشخصيات علمانية؟
- أعتقد أنه تم اختياري للأبحاث التي كنت أديرها في مركز "غالوب للدراسات الإسلامية" حول آراء المسلمين في أنحاء العالم. لم أكن جزءاً من حملة الرئيس الأميركي، ولست ناشطة في الحزب الديموقراطي. وقع الاختيار عليّ على أساس مهنيتي لا انتمائي السياسي.
¶ أتعتقدين أن شهرتك سبقت إنجازاتك داخل البيت الأبيض، كونك أول مسلمة ومحجبة تشغل منصباً من هذا النوع في الإدارة الأميركية؟
- "شهرتي" لغزٌ لا أزال أجهله! لا شك في أن موقعي في البيت الأبيض كان شرفا لي. لكني أعتقد في الوقت نفسه، أن الموضوع ضخّمته وسائل الإعلام، وأن اللافت في مسألة تعييني كانت رمزيّته أكثر منه تأثيري في السياسة. فالكثيرات من الشابات يتوجهن إليَّ ويعبّرن لي عن الأمل الذي يستمددنه من مشواري المهني، إذ يشعرن بأن النجاح ليس صعب المنال، بصرف النظر عن اسمهن وهويتهن أو اختيارهن الحجاب. إذا كان هذا هو الشيء الوحيد الذي أوحى به تعييني في البيت الأبيض فأنا سعيدة جدا بهذا الأمر.
¶ أليسا مسؤولية كبيرة وحملاً ثقيلاً، أن تنفردي بإطلاع رئيس البلاد على آراء طائفة بأكملها وطرق تفكيرها؟
- هي بالطبع مسؤولية كبيرة، لكني لا أدّعي أني أتحدث باسم كل مسلم. أردت أن أنقل، فقط، ما يقوله المسلمون لأنفسهم. لم أكن أريد تمثيل جميع المسلمين، بل أردت أن أعطيهم وسيلة لتمثيل أنفسهم باستخدام أداة معينة، هي المسح المرتكز على البحوث. باستخدام هذه الأداة العلمية، في وسعنا أن نكتشف بمَ تفكر وتشعر مجموعة كبيرة من الناس، وأن نسمع أصوات هؤلاء ونفهمهم. مهمتي كانت أن أنقل هذه المعلومات إلى العالم.
¶ درست الهندسة الكيميائية ثم حصلت على ماجستير في إدارة الأعمال. كيف انتقلت من هذين المضمارين إلى عالم الأبحاث؟
- رحلتي المهنية علّمتني أن المرء لا يعرف إلى أين يمكن أن تذهب به الحياة. نعم، لقد بدأت دراستي كمهندسة كيميائية مع قصور في اللغة العربية. كنت أكتب في جريدة الكلية عن الشرق الأوسط، وكنت من مؤسسي منظمة تساعد على تثقيف الناس في شأن قضايا المنطقة، إذ كنت ولا أزال شغوفة بالقضايا الدولية. بعد تخرجي من الجامعة انضممت إلى الشركة العالمية للمنتجات الإستهلاكية، "بروكتر أند غامبل"، في قسم البحوث. كنت أعشق دراسة آراء الناس وتحويلها إلى أفكار متعلقة بالمنتَج. تابعت سيري على هذا الطريق فحصلت على ماجستير في إدارة الأعمال وانضممت إلى مركز "غالوب" كمستشارة لكبرى الشركات الأميركية، أقدّم المشورة للمديرين والمسؤولين التنفيذيين في قيادة الأعمال والإدارة. عندما أعلن الرئيس التنفيذي للشركة نيّته إجراء دراسات إستقصائية في أنحاء العالم، طلبت أن أنتقل إلى هذا المشروع. اقترحت عليه أن يؤسس مركزاً للدراسات الإسلامية ضمن مشروعه هذا فوافق، وأصبحت أنا مديرة المركز. آمل أن تؤكد قصتي للمرأة العربية أنه يمكننا أن نتقدم وننجح في أي بيئة، حتى لو كنا أقلية، أو حيث يهيمن الذكور كما هي الحال في عالم الأعمال والسياسة.
¶ شاركت معجون إسبوزيتو في تأليف كتاب "من الذي يتكلم نيابة عن الإسلام؟ ما يفكر فيه مليار مسلم". باختصار، من يتكلم عن الإسلام، وبمَ يفكر مليار مسلم؟
- أراد هذا الكتاب أن يُسمِع صوت الناس العاديين، ليقولوا للعالم ما يفكرون فيه فعلاً، بدلا من السماح للمتطرفين بالتحدث عنهم. بالطبع لا يفكر مليار مسلم بالطريقة عينها، بل هناك تنوّع كبير في الآراء والمعتقدات. لكن هذه الدراسة، وهي الكبرى والأشمل التي تطال المسلمين من حول العالم، تدل على أن جميع هؤلاء يدعمون في الإجمال الديموقراطية والعدالة بين الجنسين ويناهضون العنف ضد المدنيين. هم لا يكرهون الغرب أو الولايات المتحدة لأن الأميركيين "أحرار". غضبهم على أميركا سببه سياستها لا مبادئها، التي تعجبهم بحسب الدراسة. الأدلّة التجريبية دحضت الصور النمطية.
¶ في رأيك، ما الذي يدفع بأوباما، الذي أوضح أكثر من مرة أنه ليس مسلماً، في اتجاه توظيف مسلمين في البيت الأبيض؟
- دعيني أوضح أولاً أنه لا يوجد مسلم واحد في مركز عالٍ في إدارة أوباما. لذا السؤال الأصحّ هو: لماذا ليس هناك المزيد من المسلمين في البيت الأبيض، وفي مواقع رفيعة المستوى؟. فالأميركيون المسلمون مواطنون مساهمون في هذا البلد، ومن الطبيعي أن يتم تمثيلهم في صنع القرار ككل مجموعة أخرى. على الرغم من ذلك، لا نستطيع أن ننكر أن أوباما أفضل بكثير من سلفه في هذه النقطة، لكن الطريق لا يزال طويلاً.
¶ كيف يكون رد فعل الرئيس الأميركي حين يدرك مدى كراهية بعض الشعوب لأميركا وسياستها؟ وهل ساعدته على فهم مشكلات المسلمين وأسباب غضبهم من الولايات المتحدة؟
- تواصلي المباشر مع الرئيس كان محدوداً نسبياً، وكنت أنسّق مع مستشاريه والمسؤولين عنده. رد فعلهم على هذا الواقع كان الاعتراف بأن السياسات الأميركية لا تحظى بشعبية، لكنهم يصرون، على رغم ذلك، على أنها لن تتبدل بل ستبقى تلك هي سياسات البيت الأبيض. لذا غالباً ما كان يتمحور النقاش حول كيفية جعلها أقل سوءاً بالنسبة إلى الناس. أعترف أني لم أجد جواباً أو حلاً لهذه المسألة.
¶ ما هو الإنجاز الذي يُحسب لأوباما في مسألة حوار الأديان؟
- أعتقد أن الإنجاز الأهم للرئيس أوباما، في ما يخص الحوار بين الأديان، هو صبّ العلاقات بين المسلمين والغرب في خانة السياسة لا الدين. خلال حكم الرئيس جورج بوش، كانت الغالبية العظمى من المسلمين غاضبة، ليس فقط على السياسات الأميركية، لا بل تشعر أيضاً بأن أميركا في حالة حرب مع الإسلام. هذه الفكرة لم تعد طاغية. اليوم، يحاسب هؤلاء أوباما على أساس الإجراءات التي يتخذها لا على أساس إيديولوجيته، فيعطونه ثقتهم أو لا يعطونه إياها. أرى في ذلك تطوراً ملحوظاً، لأن السياسات يمكن أن تتغير، لكن الحال أصعب بالنسبة للدين والإيديولوجيا.
¶ مهمتك كانت إستشارية. لكن في أي وقت تعدت هذا الأطار وأثّرت في تغيير رأي أو فكرة أو تصريح أو خطاب للرئيس الأميركي؟
- الأثر الأكبر كان في المحادثات التي دارت في واشنطن كنتيجة لأبحاث "غالوب"، والمتعلقة بالمسلمين ودوافعهم. عندما بدأنا تلك الحوارات، معظم الناس في واشنطن كانوا يعتقدون أن المسلمين غير عقلانيين، وأنهم يكرهون أميركا من باب رفضهم الديموقراطية والحرية. غالبيتهم كانت تعتقد أيضاً أن دافع الإرهاب هو الدين. لكن البحث الذي قدته أظهر صورة مختلفة. فقد أثبت أن المسلمين يحبون الديموقراطية والحرية ويريدون المزيد منها لأنفسهم، وأن مأخذهم على أميركا هو عدم معاملتها لهم بالمثل واعترافها بحريتهم. هذه الأفكار الجديدة بدأت تصبح التيار الرئيسي في واشنطن، وبرز ذلك في خطب أوباما واستراتيجياته الخاصة.
¶ في موازاة زيادة ظاهرة الإسلاموفوبيا (الكراهية حيال المسلمين) في الولايات المتحدة، تشير الدراسات إلى ارتفاع نسبة معتنقي الدين الإسلامي فيها. كيف تفسرين هذا التناقض؟
- لا أرى في الواقع أي تناقض. فالإسلاموفوبيا تثير فضول الناس تجاه الإسلام، وعندما يدرسون هذه الديانة ويتعمقون فيها يكتشفون حقيقة تروي عطش القلب والروح.
¶ هل صحيح أن مسلمي أميركا مندمجون لكنهم غير محبوبين؟ وهل يمكن أن يكون المرء مسلماً متديناً وأميركياً أصيلاً في آن واحد؟
- أقول بصدق إني بدأت أشعر بعدم ارتياح تجاه فكرة "إندماج" الأميركيين المسلمين، لأنها توحي وكأننا عنصر غريب يحتاج للانضمام إلى الأميركيين "الحقيقيين". هل الأميركيون الكاثوليك "مندمجون"؟ وهل الأميركيون من أصل أفريقي "مندمجون"؟ لا يعود هناك أي معنى لهذا السؤال حين نطبّقه على المجموعات الأخرى. فالأميركيون الأفارقة لا يزالون حتى اليوم يواجهون التمييز، لكن هذا لا يعني أن أميركا ليست بلدهم.
الوضع مماثل للمسلمين. نحن لا نصبح أميركيين أو "نتأمرك". نحن أميركيون أصليّون! على أميركا أن تتكيّف مع هذا الواقع فتمثّل كل مواطنيها، وهذا سيضاعف من قوّتها. الإسلاموفوبيا سرطان يدمر كل المجتمع لأنه يسوّق لحروب ظالمة، يثير الشبهات حول قيمنا ويضلل مواطنينا. على جميع الأميركيين أن يتصدّوا لهذا المفهوم.
¶ ما الموقف الأصعب الذي تعرضت له كمسلمة محجبة في الولايات المتحدة؟
- الفترة الأكثر صعوبة لي جاءت مباشرة بعد هجمات الحادي عشر من أيلول حيث كنا، كمسلمين، خائفين وقلقين على مستقبلنا. لم أكن أعرف حينها ماذا عليّ أن أتوقع من زملائي الأميركيين. لكني فوجئت بدعم وتضامن كبيرين.
¶ ينعم الكثير من المسلمين برفاهية عيش البلدان الأجنبية المتطورة، ثم ينتقدون هذه الدول. ألا ترين في المسألة نوعاً من "انفصام في الشخصية"؟
- لا أعتقد أنه نوع من انفصام في الشخصية، بل أرى أن هناك أموراً إيجابية وسلبية في كل بلد. ليس المطلوب أن نحب كل شيء أو نكره كل شيء لنكون متناغمين مع أنفسنا. المهم أن ننظر إلى كل مسألة بتجرّد وبصرف النظر من أين أتت. الحضارة الإسلامية لم ترفض يوماً شيئاً فقط لأنه أجنبي، كما أنها لا تقبله تلقائياً لكونه أجنبياً، من هنا أهمية التقويم الموضوعي.
¶ تصريحاتك حول الداخل المصري تثير الكثير من ردود الفعل الغاضبة، وقد وصفك البعض بمستشارة الجماعة الإسلامية لا مستشارة أوباما. كيف تتعاملين مع هذا الواقع؟
- للأسف، أي شخص ينتقد انتهاكات حقوق الإنسان الفظيعة واستغلال السلطة في مصر اليوم يُعتبر مؤيداً لجماعة "الأخوان المسلمين" أو عضواً فيها. لست عضوة في هذه الجماعة ولا أؤيد إيديولوجيتها، وكذلك الحال بالنسبة لعائلتي. أدعم العدالة، الديموقراطية وحقوق الإنسان، وسأستمر في هذا الدعم وفي انتقاد كل من ينتهك هذه القيم، ولن أسمح لردود الفعل والاتهامات هذه أن تردعني عن قول الحقيقة. الله الحامي سيسأل كلاً منا يوماً ماذا فعلنا لدى مشاهدتنا هذا المستوى من الظلم، في حين كانت لدينا القدرة على الكلام.
¶ يرى بعض المحللين أن لـ"الأخوان" في أميركا هدفاً واحداً غير معلن هو أسلمة المجتمع الأميركي، وأن العديد من العناصر التابعة للتنظيم الدولي تشغل مناصب مهمة ورفيعة. ما ردك على ذلك؟
- لا أستطيع أن أتكلم عن أهداف "الأخوان". عليك أن تسأليهم. ما أعرفه تمام المعرفة أن ليس هناك أي عضو في الحكومة الأميركية ينتمي إلى هذا التنظيم، وإن كان متهماً بذلك. هناك سبب محدد وراء انتشار هذه الشائعات، هو تهميش الأميركيين المسلمين واستبعادهم عن السياسة وعملية صنع القرار في بلادهم. لأمر محزن جدا أن نرى وسائل الإعلام العربية تساند الإسلاموفوبيين الأميركيين في بناء هذه الصورة!
¶ كشفت دراسة لمعهد "غالوب الدولي" أن في السعودية أعلى نسبة من الملحدين في العالم العربي. هل هو إلحاد يُختار طوعاً، أم رد فعل طبيعي لمن ضاق ذرعاً بقيود السلطة وضغوط الدين؟
- دعيني أوضح أمراً مهماً للغاية: "غالوب الدولي" و"غالوب للدراسات الإسلامية" مؤسستان مختلفتان. هذه الدراسة ليست صادرة عن شركة "غالوب" حيث كنت أعمل، وأنا شخصيا أشك كثيرا في دقة هذه النتائج.
¶ ما أجمل ما في مصر، وأجمل ما في أميركا؟ وأسوأ ما في البلدين؟
- أجمل ما في مصر شبابها. مرنون، شجعان ويحبون الحرية. أسوأ ما فيها وسائل إعلامها غير الصادقة، البغيضة، التي تعمل على إرضاء السلطة. أما أجمل ما في الولايات المتحدة فهي القدرة على التغيير. أميركا ليست حالة ثابتة. المجتمع الأميركي يتجدد، يبتدع ويبحث عن طرق للتحسين. ما لا أحبه هو الفكرة المغروسة في رؤوس البعض أن أميركا هي بلد الله المختار وأن نعمها مرخّص بها من الخالق، بدلا من اعتبارها مسؤولية تحتّم عليهم العمل بعدل.
¶ احتللت المركز الثالث كأقوى شخصية عربية عام 2010؟ ما تعريفك للقوة؟
- التأثير هو القدرة على أن تكوني مسموعة ومفهومة من الكثير من الناس. لم أرضَ يوماً بهذا الترتيب الذي أثار استغرابي!

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard