كتاب - "كلب بلدي مدرّب" لمحمد علاء الدين: يد الروائي تصفع وجه المجتمع وعقله

14 نوار 2014 | 00:00

في رواية "كلب بلدي مدرب" الصادرة أخيرا عن "دار العين للنشر"، شعرت أن يد الروائي محمد علاء الدين قد امتدت بصفعة قوية وعميقة على وجه هذا المجتمع وعقله: صفعة لا تقترح بديلا، أو تدّعي لذاتها النبوة ورغبة الإصلاح، لكنها تمتد لتضرب في الجوهر. تتمثل تلك القوة في التأثير الداخلي الكامن من دون ضجيج؛ لتعرية التكوين الإنساني المعاصر الذي أصبح يفتقد الوجود الحقيقي، سواء على المستوى الواقعي الذي يزاحمه الآن العالم الافتراضي بقوة، أو على مستوى تلاشي القيم التي انتخبها البشر، وليبعث الروائي بدوار عنيف في عقل كل متلقٍّ ووجدانه، من دون أن تكون هناك رسالة واحدة مباشرة أو جهورية الصوت.

كعادة محمد علاء الدين، تقدم نصوصه المابعد حداثية مغامرة التجريب الصادمة للذوق التقليدي، وتلقي جديدا مغايرا فنيا وفكريا، فيحكي هذا النص عن أحمد المتخرج في كلية الآداب الذي كان يحلم بأن يكون كاتبا يحصل على نوبل في الآداب، لينتهي به الأمر أن يتكسب من كتابة القصص الجنسية المستقاة من أفلام البورنو، أو من الظواهر التي تحكي خبايا العلاقات الشائكة، غير الشرعية في المجتمع، وينشرها على أحد منتديات الانترنت. يتعرف إلى إحدى الفتيات، نيفين، زوجة لاهية متعددة العلاقات، شرهة للجنس، فيقيم معها علاقة، ثم تورطه في مساعدتها في إحدى مغامراتها الجنسية، التي يستولي فيها علي لوزة على سيارتها، وكل ما كان في حوزتها، فتتراكم حوله وحول أصدقائه مجموعة من الأحداث والمشكلات.
يقدم الكاتب وجوها ضائعة، أصابتها لعنة الضياع، كلٌّ بطريقته، ودهمتها قسوة الحياة تحت وطأة الدعاية والاستهلاك، في أحداث موزعة بين واقع عبثي مجهض، وعالم افتراضي شاسع ومفتوح. يتملك الشخوص اليأس إلى درجة الكف عن المبادرة ضمن هذه المنظومة الفاسدة، فيضيع تفردها، بكساء بليد من الحياد واللامبالاة، أو العنف والتمرد.
يفكك النص جميع آليات السلطة: يتنكر الروائي من خلال شخصية أحمد وعلاء ونيفين، لكل أشكال التراجيديات السابقة في الكتابة الروائية والدرامية التي تربّينا على أدبياتها، بل يسخرون ويتندرون منها، وهما سخرية وتندر يشملان السياسي والاجتماعي بسلطاتهما الأبوية، ويشملان الكتابي، والموروث المعرفي، والوجداني الفني أيضا.
يستخدم الكاتب لغة صادمة، وجملا قصيرة شبه تقريرية، تتأثر بمفردات التواصل التي تعتمد على الرسائل القصيرة، وعادة ما تبدو باردة سريعة، شديدة التكثيف والاختزال. وهي، وإن حُمِّلت مشاعر حقيقية، تبدو لاهثة وتشبه الومضة التي لا يريد أن يتوقف عندها. كأن الروائي يشكل سردا منزوعة منه كل عاطفة إلا نذرا، أو ربما تبدو العواطف بطرق التعبير التقليدية عنها، التي تستدر عطفا أو مشاركة من الآخر، رطانة لا جدوى من طرحها. هي لغة ذات فحيح جنسي ميكانيكي صارخ وعنيف.
كل فصل يُستهل بمشهد حيوي مكثف يمكن أن يؤوّل لدلالات فكرية عميقة، وعبرها ينسج الروائي طبقات شبكية دقيقة وشفافة، متراكبة، من أرهف التداخلات التي تشي بالعالم المصنوع غير المعيش، بأي وجه من وجوه الحقيقة. لكنه مع الاعتياد وتحقيق ما لا يجده الإنسان في الواقع، ووطأة وجوده بالحياة، يتحول إلى حقيقة لها ثقل وجود بحياة الأفراد، فيكتشف أن الفتاة التي حلم بها طويلا وكانت بطلة لأفلام البورنو التي راقته كانت مصابة بالصرع، وأنها كانت تكمل وظيفتها من أجل علاجها، وأن الحلم الذي عاشه لسنوات من عمره مثّل لديها مجرد وظيفة في حياتها المأسوية: إن هي إلا تلميحات ومواقف صغيرة يستشف منها هذا المعنى، حتى يصبح التوجه إلى العالم الذي نعيشه كأننا نعيشه لأن معظمه مصنوع، ويوشك المصنوع أن يكون وجودا.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard