من المفارقات الثقافيّة القليلة أن تحظى دونا تارت، قارئة الأعمال الكلاسيكية الفرنسيّة، بالإنتشار العزيز في فرنسا في موازاة حصولها على الرضى في الوسط الإنغلوساكسوني. ومن المفاجآت المثيرة للإهتمام أيضا أن تَخرج ثالثة تجاربها الروائية، "طائر الحسون"، إلى النور، بعد مخاض دام أحد عشر عاما. قطف النص جائزة "بوليتزر" للتخييل 2014 للتو، ووضعها في مصاف جون ستاينبيك، وأعاد ربطها بجذورها في جنوب الولايات المتحدة الأميركية. استدرجها ستاينبيك الى حيّز جغرافي لا يمكن المرء سوى أن يحبّه بقدر ما يمقته، على قول فولكنر. دفع بها إلى مكان موزّع بين نقيضين، مثل الطائر في اللوحة التي تمنح عنوانها للرواية الظافرة، يمشّق حريته بينما تعوقه سلسلة بالكاد ترى.
في حالات كثيرة، تصير الإطالة، أو لنقل الرواية ذات النفس الطويل شبه الماراثوني إثماً عند المؤلفين. غير أن الكاتبة الأميركية دونا تارت تبرز كاستثناء مضيء في هذا المجال، لأنها قادرة على جعلنا نحيد عن المقاربات التقييمية السلبية، وتلقينا في مرتع حكاية متمهّلة من دون استدعاء السأم، ومتأنية من دون أن تفقد حسّ الترقب السردي. نواة النص الصادر بالإنكليزية، تيو ديكير مراهق يفقد والدته في الثالثة عشرة، في هجوم يستهدف متحف متروبوليتان، في نيويورك. ترسم الروائية تلك البرهة المزعزعة في جمل ذي إيقاع متقطع يحيل على نفق يدخله المراهق، الى بيئة من التململ المبدّد للوعي. نقرأ: "كنتُ في منتصف الرواق حين حصل شيء ما. ركض أحد حرّاس المتحف عبر مدخل محل التذكارات الملاصق للمعرض. كان يحمل في يديه شيئا (....). في اللحظة التالية، هزّ انفجار ضخم الغرفة، اخترق الآذان". في وسط هذا الدوي، يضيّع الفتى والدته، ولا يلبث أن يغادر المكان المُلقى في الفوضى، متأبطا لوحة "طائر الحسون" التشكيلية للفنان الهولندي كاريل فابريتيوس، وهو تلميذ رامبرانت ومعلم فيرمير. يصير الطائر الموزّع في ألوان عدة، خيط النص التوجيهي.
في أعقاب هذا الإنسحاب القسري والتراجيدي الذي يعاينه تيو ككارثة، يفصح الفتى انه كان ليفضّل ألاّ يعيش الحياة إذا فرغت من حضور والدته. منذ اللحظة الروائية الأولى، تعمد تارت الى سكب هذه الصلة الرحميّة المتينة بين الإثنين، في مقاربة تجعلنا نظنّ الراوي راوية. والحال انه يتراءى إلينا، على خلفية اشتداد الجرعة الإنفعالية في النثر، أننا في نسق من الإفصاح النسائي. نظنّ يستحيل على تارت التسلّل على نحو كامل خلف شخصية ذكورية، فيتسرّب عفويا، من دون قصد منها، ومن خلال نصها، دفق نسائي مرهف.
نعي شيئا من هذا المناخ في سطور لا توارب في إعلان موقفها: "لا شك كانت الأمور لتصير أفضل لو عاشت أمي. لكن الحال انها توفّيت وأنا طفل. على الرغم من أن كل شيء حصل لي مذاك، سببه خطئي الى حدّ بعيد، أقرّ بأني عندما فقدتُها، فقدتُ القدرة على رؤية أي معلم كان ليقودني الى مكان أكثر سعادة، الى حياة أكثر اكتظاظا أو رضى. شكّل موتها العلامة الفاصلة: القبل والبعد. وعلى رغم ان الإقرار كئيب بعد مرّ كل هذه الأعوام، لم ألتقِ يوماً أحدهم سواها جعلني أشعر بأني محبوب مثلما فعلَتْ. صار كل شيء حيّاً في حضورها. ألقَت ضوءاً مأسوياً ومدوّخاً على نفسها لكي تصير ألوان كل شيء، من خلال عينيها، أكثر زهواً من العادة.
أذكر أني قبل أسابيع قليلة من رحيلها، تناولتُ العشاء الأخير رفقتها في أحد المطاعم الإيطالية في الجزء السفلي من القرية. أذكر كيف أمسَكَتْ كمّي ما إن لمَحَت روعة قالب حلوى عيد الميلاد شبه المؤلمة، وهو يُحمَلُ في موكب آتيا من المطبخ في هيئة دائرة من الضوء الخافت ينعكس على السقف القاتم. ثم استراح ليشرق في وسط العائلة، ويبهج وجه السيدة العجوز. انطلقت الإبتسامات حولها بينما تراجع الندل وهم يضعون أياديهم خلف ظهورهم. عيد ميلاد عادي مثلما يسعكم رؤيته في أي مطعم مقبول السعر في وسط المدينة. أعي أني لم أكن لأذكره لو لم تمُت بعد وقت قليل على تلك الليلة. فكرتُ في الأمر مرة تلو المرة في أعقاب موتها، والأرجح أني سأفكر فيه كل أيام حياتي تقريبا: هذه الدائرة المصنوعة من ضوء الشمعة، هذه اللوحة الحيّة من المعيش، السعادة العادية التي فُقِدتْ عندما فقدتُها".
في دقائق التفاصيل التي تقطن سرد تارت، يمرّ الإقرار بالحب البنوي في نص يقترض الإحالات البصرية والتشكيلية خصوصا ليخترق رئات ثلاث مدن: نيويورك ولاس فيغاس وامستردام، ناهيك بحيوات ديكير الكثيرة، بدءا من الطفولة وصولا الى سن الرشد المتقدمة. لا يفوت تيو أن يشير إلى جمال والدته وإن أقرّ بثانويته. يرغب أن ينصرف الى الحديث عنها من هذا المنظور على رغم إدراكه تفاهة الملامح الجسديّة إزاء هول واقع الغياب. يتوقف عند تلك المرأة ذات السمات الجسمانية الإمتثالية: الشعر الأسود والبشرة التي تبقّعت في الصيف والعينان الزرقاوان حيث يرقص دفق من الضوء. يعمد إلى إحياء امرأة نصف ايرلندية ونصف هنديّة ترتبط بالنسَب الى قبيلة من الهنود الحمر بإسم شيروكي. وصلَت الى التفاحة الكبرى، نيويورك، قادمة من كنساس، واشتغلت بدوام جزئي كعارضة أزياء. بيد انها على رغم راحتها الواضحة إزاء الكاميرا، لم تجعل أي شيء امتلكته يخلّد في شريط سينمائي. كانت في كليّتها بهذا المعنى، حالة نادرة. بانت المرأة صاحبة الطباع الغريبة، قاسية بعض الشيء في الصور الفوتوغرافية، عندما غطّت بشرتها المنمّشة بمساحيق التجميل وشَدّت شعرها الى الخلف. تلاشى عندئذ الحنان، وتلك الصفة الأكثر نتوءا عند السيدة التي أحبها الفتى خصوصا.
"طائر الحسون" (دار "ليتل براون أند كومباني")، رواية البحث عن شخص يراودنا ولكن من دون جدوى. نص تعليمي عن الحب والجمال، وهذان موضوعان متطلّبان وهشان الى حدّ لا يعقل.
[email protected]
Twitter: @Roula_Rached77
نبض