السّنة الدّراسية 2019 - 2020 انتهتْ. كلُّ مفاجآتها غير السّارة أصبحت وراءنا، لكنّ التداعيات ما زالت تأتي على شكل هزّاتٍ ارتداديّة قويّة. إدارات المدارس هوجِمَتْ بقسوة وتحديداً من لجان الأهل. لكن الهمّ الأكبر الآن هو ماذا عن السنة المقبلة في ظل أخبارٍ عن إقفال مدرسةٍ هنا أو قسمٍ في مدرسة هناك؟ الأخت كليمانس الحدّاد، رئيسة مدرسة العائلة المقدّسة الفرنسيّة في الفنار قالت لـ"النّهار": "في لحظةٍ من اللّحظات تصرّفَ الجميع في لبنان بشكلٍ يوحي بأن إدارة المدرسة وحدها يجب أن تتحمّلَ أعباء الخسائر التي حصلت في 2019 - 2020. تطلّعنا حولنا لنرى دعماً حكومياً أقلّه معنوياً فلم نجد أي دعمٍ بالمعنى الحقيقي للكلمة. الأهل، طبعاً صعوباتهم باتت كبيرة جدّاً، فقسمٌ منهم فقد وظيفته وقسمٌ آخر فقد جزءاً من معاشه، والقسم الثالث، حتّى لو حافظ على وظيفته وعلى معاشه، فإنّ قيمته الشّرائية قد تدنَّتْ إلى 17% مما كانت عليه قبل سنةٍ من الآن".
في عالَمِ المدرسة ثلاثةُ أركانٍ أساسية: الأهل والإدارة والمعلّمون. عندما وقعت الواقِعة وحصلت الخسائر، كان التّفتيشُ عمن يتحمّل الخسارة صعباً جدّاً. الأخت جيروم صخر، رئيسة مدرسة مار يوسف للراهبات الأنطونيّات في زحلة قالت لـ"النّهار": "في خساراتٍ صغيرة، قد يتحمَّلُ طرفٌ واحد هذه الخسارات. هذا الأمر فعلته إدارات المدارس الخاصّة بمعظمها في السّنوات الثّلاث الأخيرة حيثُ كانت هذه المدارس تُجبي من الأقساط أقل ممّا كان يتوجّب. لكن في خساراتٍ كبيرة كما حصل السّنة، أنتَ تفكِّر بمبدأ توزيع الخسائر. إذا تحمَّلتْ إدارة المدرسة وحدها هذه الخسائر، يصعُب عليها متابعة رسالتها التّربوية. وإذا تحمّلَ المعلّمون وحدهم أثقال هذه الخسائر، فهُمْ قد يعلِّمون في السّنة المقبلة في المدرسة ولكنّهم سيعلّمون بمعنويّات منخفضة إذ إنّ خسارتهم ستكون كبيرة جدّاً. وإذا تحمّل الأهل وحدهم هذه الخسائر، فهم لن يستطيعوا إكمال مشوارهم التّربوي في الحياة في المدرسة الخاصّة. لذا كان لا بُدَّ من توزيع الخسائر".
الأخت كليمانس الحداد قالت عن هذا الموضوع: "توزيع الخسائر لم يكُن بالأمر السّهل، فالمدارس جرت مطالبتها بحسومات خارج المألوف، وقد غاب عن ذهنِ البعض أنَّ موازنة العام الدّراسي التي كان سبق لوزارة التّربية أن وافقتْ عليها، قد أقرَّتْ، بحسب القانون اللّبناني، 65% من الموازنة لكي تُدفَع على شكلِ معاشاتٍ للهيئة التّعليميّة". وهنا تسأل الأخت جيروم صخر: "إذا كان القانون يُلزمنا أن تكون 65% من إيرادات المدرسة كمعاشاتٍ للهيئة التّعليميّة، وهذا حقُّهم على رأس السطح، فكيف يمكننا أن نحسُم من الأقساط نسباً خارج إطار النسب المنطقيّةً، علماً أنّ المدارس وعلى أرض الواقع خصّصت أكثر من 65% كمعاشاتٍ للمعلمين؟".
لكن التكاليف والنّفقات التي تسدِّدها المدارس بالعملة الّلبنانيّة كالمعاشات والمحروقات لباصات المدرسة والفيول للتّدفئة ليست الهمّ الأساسي. "الهمُّ الأساسي الّذي نفكّر فيه الآن هو كيف يمكننا مع انهيار قيمة الليرة اللبنانيّة أن نطوِّر التكنولوجيا مثلاً في مدارسنا لكي يبقى المستوى التّربوي والأكاديمي فيها عالياً عندما نُضطَر إلى شراء هذا الدّولار في السّوق السّوداء في حدود الـ9000 ليرة لبنانيّة"، قالت الأخت كليمانس.
التّحدّيات للعام 2020 - 2021 كثيرة جداً والأجوبة عنها غير متوافرة الآن. الأخت جيروم تقول: "ماذا لو وصلنا إلى موعد فتح المدارس وكورونا ما زال على حدّتِهِ؟ كيف سيتعاطى الأهل مع تحدٍّ من هذا النّوع؟ عندما بدأتْ جائحة كورونا، كان الأولاد في البيوت وكان الأهل في البيت أيضاً، لكنّ الآن قد يضطر الأولاد إلى البقاء في المنزل فيما يذهبُ الأهل إلى أعمالهم ممّا يجعل عمليّة التّحفيز في البيت غير ذات فائدةٍ ممّا يُصعِّب إدارة العمليّة التّعلميّة في الصّف الافتراضي".
الأخت كليمانس عبَّرتْ عن قلقِها لجهة تحقيق الأهداف التّربويّة في العام المُقبِل. وقالت: "إذا طَوَّرنا نظاماً من الـhybrid للتّعليم، فإنّ ذلك يُخفِّف حدّة التّحديات وتستطيع إدارة المدرسة بالتّعاون مع الأهل والرِّهان على حسّ المسؤوليّة عند التلامذة أن تخوض غمار تجربة من هذا النّوع، وأن تنجح بإذن الله. لكن إذا كان نظام الحضور مُتعذِّراً ونظامُ الـhybrid الذي يتطلّبُ حضوراً جُزئياً متعذراً أيضاً، هل نستطيع أن نعلّم سنة دراسية كاملة أو فصلاً دراسياً إلى حدود عيد الميلاد من خلال التّعليم الإفتراضي أو التّعليم عن بُعد؟ نستطيعُ الآن أن نقولَ بثقةٍ عالية نعم نحنُ نستطيع، وإنّي أؤكِّدُ انطلاقاً من معرفتي بنوعيّة أعضاء الهيئة التعليميّة في المدرسة أن هذه التجربة ستكون بإذن الله تجربةً نوعيّةً وجيّدةً جدّاً. لكن لا أستطيع ألّا أطرحَ سؤالاً حول المُكتسبات التي من المُفتَرَض أن نُساعد التلامذة على اكتسابها إذ تبقى مسألة تقييم المكتسبات خارج إطار مقدورنا. أقول هذا الكلام لأنّي في كل سنوات حياتي التّربويّة لم أمرّ بتجربةٍ من هذا النّوع ولا بتجربةٍ تشبهها حتّى في حدِّها الأدنى".
يبدو أنّ الشّهرين المُقبلين مفتوحان على أنواعٍ كثيرة من التّحديات. هل سيُسَدِّدُ الأهل الأقساط؟ هل ستستطيع إدارات المدارس تسديد بدل أتعابِ المعلّمين والمعلّمات؟ كيف ستتأكّد المدرسة من أنّ المكتسبات التربويّة قد تَحَقَّقَتْ عندَ التّلميذ؟ ماذا عن شبكات الإنترنت، هل هي مهيّأة لاستيعابِ جُهدٍ من هذا النّوع على مستوى الأراضي الّلبنانيّة كلّها؟ وأخيراً، هل القيادات المدرسيّة School Leadership مهيَّأة لخوضِ تجربةٍ من هذا النّوع وتسجيل نجاحٍ نوعي فيها؟ الأخت كليمانس تقول: "لا شك في أنَّنا نقومُ بكلِّ ما في وِسعِنا لنضمنَ النجاح على كلِّ المستويات إدارياً وتربويّاً وعلائقياً وماليّاً وخدماتيّاً، لكن هناك مساحة غير قليلة نتركها للعناية الإلهيّة، فنحنُ مؤسّساتٌ قامت على هذه العناية ولا نقدِر في زمنٍ مثل هذا إلّا أن نستكينَ إليها".
الأخت جيروم قالت في الخِتام: "لا شك في أنّها مُشكِلة كبيرة، لكنّنا إذا صدّقنا أن المشكلة هي فرصة للنّمو فإنّنا في هذه الأزمة وفي هذا النّفق الحالك الظلمة، نتعلَّم الكثير عن الابتكار وحلّ المشاكل والعمل الفريقي وإدارة الأزمات. هي أيضاً فرصة لكي ننمو فيها في سَبْرِ أغوارِ مجالاتٍ إداريّة وعلائقيّة لم تكُنْ لتتوافر لنا لو كانت السّنة طبيعيّة، لذا على الله الإتّكال بالأمس واليوم وإلى الأبد".
نبض