كنت عازماً على بذل الجهود حتى النهاية من أجل التوصّل إلى حلّ سياسي لهذا المأزق، فقرّرتُ القيام بآخر مبادرة في عهدي. طوال ولايتي الرئاسية، كان الوزير والسفير السابق غسّان تويني يقدّم إليَّ مشورة حكيمة، صادقة ودّية. هذا السياسي المحنّك، الذي كان من أبرز قيادات الطائفة الأرثوذكسية اللبنانية، يتمتع بثقافة بيزنطية واسعة تساعده على إمتلاك دقائق السياسة كلها. عام 1978 كان مهندس قرار مجلس الأمن الرقم 425 الذي دعا إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان. زد أنه يدير جريدة "النهار"، الصحيفة اللبنانية الأولى بالعربية. على مدى عهود عدّة، كان مبعوثاً سياسياً وديبلوماسياً فعّالاً وكتوماً. في بداية عهدي، نسّق المفاوضات لتأمين انسحاب الإسرائيليين من لبنان، ثم بقي إلى جانبي، مع إيلي سالم وزير الخارجية السابق، مستشارين رئاسيين. كان غسّان على صلة وثيقة برئيس مجلس النواب حسين الحسيني. بدوري، لم أتوانَ عن إقامة علاقات بنّاءة على الصعيد الوطني مع "السيّد حسين" - لقب متقدّم مُعطى له في طائفته الشيعية ـ وكنت أعلم أنه ليس أقلّ حرصاً مني على الخروج من المأزق الذي كنا نتخبّط فيه.
غنيّ عن القول إن الوقت كان ضاغطاً: أربعة أيام فقط كانت متبقّية من ولايتي.
الإثنين 19 أيلول 1988 إلتقى الحسيني وتويني، وفي معرض أحاديثهما وتذمّر رئيس المجلس من الوضع المتردّي وضرورة التوصل إلى مخرج للمأزق الرئاسي، قادهما حوارهما إلى طرح تويني فكرة عقد قمّة بين الرئيسين اللبناني والسوري، قد تفضي في اللحظة الأخيرة، إلى حلّ ما. إقترح الحسيني الإتصال بعبد الحليم خدّام لاستمزاج رأيه، ثم إختلى لبعض الوقت لإجراء مكالمات هاتفية، عاد على أثرها بجواب أن دمشق جاهزة لإستقبالي. عاود خدّام مخابرة الحسيني يؤكد له إستعداد الرئيس السوري للاجتماع بي. أطلعني تويني على هذه الحصيلة، فوافقتُ على أن تقترن القمّة الجديدة، التي ستكون الأولى بيني والأسد في دمشق منذ 13 كانون الثاني 1986، بإبداء الإستعداد للإيجابية والإنفتاح على حلول. عاد إليَّ تويني بأجوبة جديدة من خدّام، من طريق رئيس البرلمان، عن رغبة في التعاون.
مساء اليوم نفسه إلتقيتُ تويني وإيلي سالم وكريم بقرادوني، فشرح لنا صاحب "النهار" وقائع الإتصالات الأخيرة، ثم خابر للتوّ الحسيني فتحادثتُ معه، فأبدى لي تشجيعه هذه المبادرة.
كان مبدأ القمّة بُتّ، فرسمتُ سيناريو الحلّ متى توافقنا مع السوريين عليه، بأن أصطحب مخايل ضاهر معي إلى بيروت، وينضم إلى اجتماع النواب الموارنة في بكركي، ومنه إلى قصر منصور لانتخابه رئيساً للجمهورية. كنت إلتقيتُ في اليوم السابق النواب المسيحيين في بكركي برعاية البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، قبل بروز فكرة قمّة دمشق، وأطلعتهم على الخيارات المتاحة أمامي في حال تعذّر انتخاب رئيس للبلاد.
ليل 20 أيلول خابر الحسيني خدّام في العاشرة مساء، ثم تلقّى منه مكالمة في الأولى والنصف بعد منتصف الليل. كنا لا نزال مجتمعين في قصر بعبدا في إنتظار تحديد الموعد. التاسعة صباح 21 أيلول، أبلغني غسّان تويني أن الأسد أعطى جوابه: "موعد القمّة الثانية عشرة والنصف ظهراً".
على الأثر دعوته وإيلي سالم وكريم بقرادوني إلى اجتماع عاجل في قصر بعبدا لمناقشة أفكارنا الأخيرة. سألت بقرادوني هل أحاط سمير جعجع علماً بمداولاتنا، فأجابني بغموض. إتصلتُ بجعجع وأعلمته في مكالمة إستمرّت نصف ساعة بالقمّة مع الأسد، فلم يقتنع، إلا أنه فضّل ريمون إده على مخايل ضاهر. بعدما كان عدّ أمامي سابقاً ريمون إده ـ كما سليمان فرنجيه وميشال عون ـ مرشّحاً إستفزازياً يرفضه، أضحى الآن يؤيّده، وأدلى بحديث تلفزيوني مرحّباً به. تجادلنا بإزاء تبدّل موقفه، فردّ: "هذا غير ذاك".
تعذّر معه الاتفاق ما جعلني أتلمس مجاراته الفراغ. خابرتُ أيضاً قائد الجيش وأطلعته على موعد القمّة، دونما الخوض في التفاصيل، كما إتصلتُ بالبطريرك الماروني مُخطراً إيّاه بما أحمل معي إلى هناك من أفكار، فشجّعني على المبادرة الأخيرة هذه. كنتُ زرته في اليوم المنصرم، 20 أيلول، وأطلعته على فكرة قمّة دمشق قبل أن يتم تحديد موعدها، فترك تقدير الموقف لي.
إتفقتُ مع البطريرك على أن أعود إليه في طريق رجوعي إلى بيروت. إذذاك قرّر دعوة النواب المسيحيين إلى اجتماع في بكركي بعد ظهر هذا اليوم 21 أيلول، في انتظار ما أحمله معي من دمشق لإنتشال أنفسنا من قعر الإستحقاق الرئاسي.
عشيّة ذلك اليوم، أمضيتُ ليلاً لم أذق فيه طعم النوم لشدّة ما كان هذا الأمل الأخير يثير قلقي وإضطرابي، عبّرتُ عنه في سجّل يومياتي بأن كتبتُ:
"الوضع صعب للغاية. السوريون يقبضون علينا من العنق. أبحثُ عن أي مخرج ومصدر للأمل، ولكن كل ما هو حولي أسود. أُوشِكُ على دخول نفق مظلم هو الأطول في مساري السياسي. لا الأميركيون ولا الفرنسيون تمكنّوا من التوصّل إلى حلّ لمشكلتنا مع السوريين، وحاولتُ مقدار ما أستطيع وأخفقت. يعتبر السوريون الوضع في لبنان ناضجاً كي ينقضّوا عليه، وأن الطريدة صارت جاهزة للإصطياد، وها هم وصلوا بهدفهم القديم إلى المنال، وهو وضع اليد على لبنان. على جاري عادتهم، الأميركيون غائبون عن السمع، لا بل أكثر من ذلك، يساعدون السوريين وكأنهم يعطونهم شهادات حسن سلوك. يُغدقون علينا مواقف الدعم والتأييد فيما يُلقون الماء في الطاحونة السورية بحسب التعبير الفرنسي. الاجتماعات تواصلت طوال هذا النهار. أتساءل ماذا يمكن أن يصدر عن هذا اللقاء مع الأسد؟ هل يمكن أن يكون مجدياً بحلّ ما؟ قبل أن أقرّر الذهاب إلى هناك، غمرني إنطباع بأن السوريين لا يريدون انتخابات رئاسية، فيما الأميركيون يحمّلون المسيحيين مسؤولية تعطيلها. أرسل البطريرك (الماروني) رسالة تشجيع ودعم لي. خابرني حسين الحسيني بعد ساعة من إتصال غسّان تويني بي، وأخطرني بأن الأمور سارية. كريم بقرادوني شجّعني على مبادرتي، لكنه قال إنه لا يعلق آمالاً كبيرة عليها".
بنتيجة التشاور والبحث في المخارج، إرتأيتُ البحث مع الرئيس السوري في الأفكار التي من شأنها أن تشكّل مخرجاً لكل الأطراف، قوامه:
"1 ـ طرح كل الأسماء المتداولة رئاسياً على طاولة الاجتماع، بما فيها مخايل ضاهر.
2 ـ إذا تم الإصرار على ضاهر، يقتضي تطمين الطرف الآخر من خلال الإجراءات الآتية:
التفاهم على تشكيل حكومة تمثّل كل الفئات من دون إستثناء، متوازنة في الأسماء والعدد.
التفاهم سلفاً على البيان الوزاري لحكومة العهد الجديد الأولى، يأخذ في الإعتبار مستلزمات السيادة الوطنية وعلاقات لبنان المتوازنة عربياً ودولياً، ويحقق الشراكة من دون هيمنة فريق على آخر.
يتم الانتخاب الرئاسي في المقرّ المؤقت لمجلس النواب في قصر منصور".
في الصباح إستقللتُ الطوّافة إلى دمشق، وقد كنت قد وقّعتُ، على سبيل الإحتياط، على مرسوم تشكيل حكومة إنتقالية لملء الفراغ مؤقتاً وتأمين انتخاب الرئيس الجديد "إذا لم يحدث أي شيء". فرضية لم يكن في وسعي إستبعادها. المرسوم مؤرَّخ في 20 أيلول 1988، عشيّة رحلة الفرصة الأخيرة.
متأخراً قرابة نصف ساعة في الوصول إلى دمشق، الأولى بعد ظهر 21 أيلول، يرافقني غسّان تويني وإيلي سالم، خصّني الرئيس الأسد تحوط به القيادة السورية باستقبال حار في المطار العسكري في المزّة. فُرِش لي السجّاد الأحمر، وتقدَّمت الموكب الرئاسي سيارات مزيّنة بالأعلام مُطلقة العنان لصفارات الإنذار، بعدما دعاني الأسد، بلطافته وكياسته المعهودتين، إلى مرافقته في سيارته للتوجّه معاً إلى قصر الرئاسة في حيّ المهاجرين.
ما كدتُ أجلس في مكتبه، حتى بدأ الحديث بودّ ولطف في موضوع لا علاقة له بالغرض من زيارتي. بحماسة نادرة، راح يستحضر ذكرياته مع الرئيس أنور السادات، راسماً له صورة زعيم ساحر، طريف، كسول. فيما أنا ما كنت أطيق التحدّث في أي أمر آخر، أخذ يخبرني أن "الريّس" السادات، حين كان في زيارة رسمية في بلودان، (مركز الإصطياف القريب من دمشق)، كان يؤجّل جلسات العمل باستمرار، قائلاً: "لِمَ العجلة، لدينا متّسع من الوقت! لنَدع معاونينا يحضّرون لنا العمل، فهم يقبضون أتعابهم للقيام بذلك، وما إن يتفقوا على التفاصيل حتى نمضي في إتخاذ القرارات الأخيرة".
أضاف: "لم يكن هذا الرجل يفكر سوى في راحته".
ثم أسهب في عرض ذكرياته مع نظيره المصري، السادات، قبيل إندلاع حرب 1973: "كنا متّفقين على اللقاء في الإسكندرية للتحضير للحرب. موعدنا التاسعة صباحاً لكنه لم يحضر إلا بعد ساعة من الإنتظار. علمتُ في ما بعد أن سبب تأخره هو إعتياده كل صباح الخضوع للتدليك وحرصه على لياقته".
بعد ذلك إنتقل الأسد إلى حديث آخر يرتبط بحياته الشخصية، مراهقته ومساره المهني. كان والداه يريدانه طبيباً يدرس في الجامعة الأميركية في بيروت، إلا أن السياسة إستهوته. كان انضوى في صفوف حزب البعث، فآثر الإلتحاق بالكلية العسكرية، في سلاح الجو، وبذلك يُتاح له أن يخدم بشكل أفضل أهداف حزبه.
روى أيضاً أن مواقفه السياسية وإنتقاداته حملت رؤساءه، بعدما تخرّج طيّاراً، على إبعاده إلى مصر لمتابعة دورات تدريبية على قيادة طائرة ميغ 17، فتعرّف في هذه الأثناء على حسني مبارك الذي أقام معه في غرفة واحدة، وهو ما أتاح لاحقاً، رغم كل العقبات، نسج علاقات شخصية ودّية، خصوصاً بعد خلافة مبارك السادات على أثر اغتياله عام 1981. راح يتحدّث أيضاً في الفلك ومسائل ماورائية.
منعتني اللياقة من مقاطعته وألزمتني الإصغاء إليه، فيما يقصُّ عليَّ ذكرياته وهو كليّ الإرتياح والحبور، مستحضراً بعضاً من ماضيه الطريف المسلّي في توقيت غير صائب. في مقابل عالمه ذاك، كانت انتخابات الرئاسة اللبنانية ستجرى في اليوم التالي بناء على دعوة من رئيس المجلس، وهو اليوم الأخير في ولايتي. النواب بدورهم ينتظرونني في بكركي، بيد أن إهتمامات الأسد أحالته على وادٍ آخر، ولم يكن حسبانه لم يكن ثمّة ما يدعو إلى العجلة.
أخيراً، بعدما مضت ساعة ونصف الساعة من هذا الطراز من الأحاديث، دخلنا في صلب الموضوع، إذ أوضحتُ الغرض من زيارتي، معرباً عن رغبتي في "أن تجرى الانتخابات بأي ثمن"، فألقى عليَّ محاضرة في التاريخ.
قال: "كنا، نحن اللبنانيين والسوريين، شعباً واحداً. من الطبيعي إذاً أن ننسّق مواقفنا لاختيار مرشّح ذي خيارات قومية".
تكلّمتُ على مشروع مخايل ضاهر، فكان جواب الأسد: "من حقّ أي كان أن يناقشه، شرط عدم مساس العلاقات المميّزة بين بلدينا. يجب أن تكون مهمة الحكومة اللبنانية المقبلة وضع اللمسات الأخيرة على وثيقة دستورية جديدة، تكون دمشق قد إقترحتها ووافقت على خطوطها العريضة".
أوحى إليَّ بجوابه هذا أن ثمّة ما إتفق عليه والضاهر في شأن العلاقات اللبنانية - السورية، يجعلها خارج الخوض فيها مع أي أحد.
طرحتُ الحصول على ضمانات تقترن بانتخاب المرشّح الذي أصرّ عليه، فردّ باقتضاب: "أنا أكون الضمان إذا كان المسيحيون في لبنان يريدون فعلاً التعاون معي".
لم يمانع، في مرحلة ما بعد الانتخاب، في أن يرعى الرئيس الجديد اجتماعاً وطنياً تشارك فيه "القوات اللبنانية"، ويُمهّد للمصالحة.
عرضتُ إصطحاب الضاهر من دمشق إلى بيروت لملاقاة النواب المسيحيين في بكركي، والتحدّث معهم في خطة حكمه، فرفض الرئيس السوري، وإستبعد كلياً إنتقال مرشّحه إلى بيروت، أي تحريره من السيطرة السورية ـ وإن في حمايتي ـ متذرّعاً بأن شيئاً لا يمكن أن يضمن حياته. فهمتُ إذذاك مغزى خشيته: إحتمال تأثره بالمناخ المسيحي في الصرح، فلا يعود إلى سوريا.
بدا واضحاً أن الأسد يفاوضني عن مرشّح مُقيم في منطقة نفوذ عسكري وسياسي سوري، في عكار. كان الضاهر إنتقل من بيروت الشرقية إلى مسقطه في القبيات، ولزمها متنقلاً بينها ودمشق مذ طُرح اسمه في 18 أيلول مرشّح التوافق الأميركي - السوري. ذلك مصدر قوة الإصرار عليه، ومؤدّى تمسّك الأسد بإبقائه تحت مظلته.
طرحتُ إحتمال تأليف حكومة إنتقالية في حال تعذّر الاتفاق على انتخاب رئيس للجمهورية، فلم يُبدِ حماسة، من دون أن يرفض جهاراً كما في بنود أخرى في محادثاتنا.
ما أن إنغمسنا جدّياً في الحوار والطروحات المتبادلة والضمانات التي يعرضها كل منا حتى قاطع مداخلتي دخول مفاجىء لأحد مرافقي الرئيس.
قرأ الأسد الورقة التي سُلِّمت إليه، ثم أعطاني إياها قائلاً، بإنفعال قلّما تُفصح عنه قسماته: "ثمّة حدث خطير يجري عندكم. يُعقد اجتماع الآن في وزارة الدفاع بين ميشال عون وسمير جعجع وتعلمني أجهزة مخابراتي أن إنقلاباً يُدبَّر ضدّك. أعلن المجتمعان رفض كل ما يجري بيننا. في هذه الحال، أتساءل ما قيمة الحلّ السياسي ما دام العسكريون، الموجودون على الأرض، لا يؤيّدونه؟ الأفضل أن ننتظر جلاء الموقف قبل الذهاب بعيداً في مواصلة الحوار".
أضاف: "بعد الذي حدث لن يتمكّن أحد من الوصول إلى قصر منصور. بما أن بعض النواب ينتظرونك عند البطريرك الماروني، بلغّهم تحيّاتي وحاول إقناعهم بقبول إقتراح الضاهر الذي يبقى هو الأفضل. أما البديل الآخر، فقد يقضي على بلدكم".
وتابع "أن الظروف تفرض تعزيز قدرات الجيش السوري حول البرلمان"، فأجبته بـ "أن عدداً من النواب، خصوصاً من المناطق الشرقية، في غياب أي وجود للجيش اللبناني، يتوجسّون من الذهاب إلى المبنى الأصلي للمجلس المحفوف بالأخطار".
ردّ: "من غير الوارد عقد الجلسة في قصر منصور".
زيادة في "الخدمة"، لضمان أمن النواب الذين قد يخشون على حياتهم، عرض عليَّ أن يُرافق كل نائب ضابط سوري إلى داخل حرم البرلمان، يحرسه طوال مدّة الجلسة... وخلال التصويت حتماً.
عندئذ قال بنبرة عالية، ختمت المحادثات: "بعد الذي حدث، من الصعوبة التوصّل إلى حلّ. يقتضي إستقرار الوضع كي نعرف إلى أين نحن ذاهبون، وماذا بعد الذي يجري في بيروت؟".
هكذا إنتهت قمّة دمشق الأخيرة من دون نتيجة.
بالتأكيد فاجأني ما حدث بين ميشال عون وسمير جعجع في اليرزة. لم أحسب له حساباً لمعرفتي الوثيقة بما بينهما من نزاع وعداء، وصراع مضمر على السلطة في المناطق الشرقية، ناهيك بمقاطعة تامة تعود إلى سنتين خلتا عندما اتهم عون "القوات اللبنانية" بإغتيال قائد اللواء الخامس العقيد خليل كنعان.
عندئذ، بعدما طال اجتماعنا في دمشق كثيراً، من الأولى والنصف حتى الرابعة والنصف بعد الظهر، أخذتُ أستعجل العودة إلى بكركي لإبلاغ النواب الذين ينتظرونني مجريات هذه الزيارة. الليل على وشك الهبوط، ولستُ ممّن يحبّون الإنتقال ليلاً بالطوّافة، وثمّة مسائل كثيرة كنت لا أزال في حاجة إلى إنجازها في اليوم الأخير من ولايتي.
قبل إنهاء الاجتماع، لمّح الرئيس السوري الى أن سليمان فرنجيه ومخايل الضاهر وحسين الحسيني وسليم الحص موجودون كلهم في دمشق، وقد يهمّني إستقبالهم، خصوصاً إذا كان سيصدر عن هذا اللقاء بيان مطمئِن. إستهواني الإقتراح، شأنه شأن أي فرصة لتخفيف حدّة الإنقسامات، لكنني كنت أدرك أن الاجتماع لن يأتي بأي جديد على الإطلاق. وتفادياً لأي تفسير مغرض في بيروت، بعدما أُشِيع أن ذهابي إلى دمشق كان لإبرام صفقة مع الأسد، رفضتُ العرض بالتحفّظ ذاته الذي قدّمه إليَّ الرئيس السوري، فلم يُلحّ. كانت مائدة الغداء قد أُعدَّت، لكننا لم نتناول الطعام لانهماكنا في النقاش.
الخامسة والنصف عصراً، قبيل رحيلي المحدّد عند السادسة على أبعد تقدير، حرص مضيفي على أن يُوجّه إليَّ رسالة أخيرة: "حذارِ! لبنان معرّض لمخاطر كبيرة ما لم تُجرَ انتخابات الرئاسة. يجب إبلاغ البطريرك والنواب المجتمعين عنده بذلك. قُمْ بمسعى أخير، وأعلِمني إذا كان ثمّة تجاوب مع دعوتي".
بكل المراسم الرسمية للتكريم رافقني الرئيس السوري إلى المطار، أنا الموشكة ولايته على الإنطواء. في الطريق، بدا مجدداً غاية في اللطف، إلى أن قال لي: "في لبنان، لدينا صديق في الشمال هو سليمان فرنجيه، وصديق في جبل لبنان هو أمين الجميّل".
كنت أسمعه بلا إصغاء لشرود ذهني في مكان آخر. رحتُ أتخيّل ما ينتظر البلاد في حال شغور كرسي الرئاسة.
للأسد خطة تقليدية خَبِرتُها معه على مرّ خمس سنوات في ولايتي، أعصاب فولاذية في التفاوض، سيّد التكتيك والمناورة، ويبدي الإنفتاح والودّ في الحوار، من غير أن يتزحزح عن ثوابته وإقتناعاته وأهدافه قيد أنملة. طوال ثلاث ساعات ونصف الساعة من الاجتماع لم يتحرّك عن كرسيه، رغم ما شاع عن مرضه قبل أربع سنوات.
بحسب وصف الديبلوماسي الأميركي دافيد ساترفيلد أمامي، في بكفيا مرافقاً ريتشارد مورفي: "الأسد هو الشرطي الطيّب، وخدّام هو الشرطي الشرير". إشارة ذات مغزى إلى تناوب الأدوار بين الرئيس السوري ونائبه.
أخذت الطوّافة تحلّق فوق جبال لبنان حيث يتمركز الجيش السوري. ما كنتُ أعرف في أي لحظة قد تُطلَق قذيفة على طائرتي من المواقع السورية، بقصد أو بغير قصد. لم يرتَحْ بالي إلا حين بلغت المناطق الحرّة.
ما كادت الطوّافة تحطّ في باحة بكركي حتى إنضممتُ إلى البطريرك الذي كان ينتظرني بفارغ الصبر مع عدد من النواب. لم يستغرق اجتماعي بهم أكثر من ربع ساعة، سردتُ عليهم نتائج لقائي بالرئيس السوري، وأبلغتهم مضمون رسالته، بعدما تولى غسّان تويني تقديم عرض بالوقائع. طلبتُ من البطريرك والحضور التفكير في إقتراحات تخرجنا من الأزمة.
قلت: "رفض الرئيس السوري انتخاب رئيس غير مخايل الضاهر، ولا رجوع عن هذا الموقف. عدم حصول هذا الانتخاب، في رأيه، سيجرّنا إلى مرحلة لا عودة منها، ولن تعود رئاسة الجمهورية إلى المسيحيين متى فُوّتت هذه الفرصة".
أضفتُ: "إذا كان ثمّة حلول جديدة مفيدة، أنا جاهز لها. لكنني، في ظلّ هذا الواقع، أعتقد أن الوصول إلى نتيجة صعب للغاية".
رددتُ على إستفسارات النواب قبل أن أختم: "ستكون ثمّة حكومة إنتقالية برئاسة ماروني هو الرئيس شارل حلو، مع الإصرار على أولوية إجراء الانتخابات".
إستقبال بكركي النواب الموارنة، أولاً في 19 أيلول حضر منهم 18 نائباً وتغيّب مخايل الضاهر بينما نائب جزين فريد سرحال يحتجزه السوريون في فندق "البريستول"، ثم اجتماع النواب المسيحيين في 20 أيلول حضر منه 27 نائباً، ومن ثم الاجتماع الثالث للنواب المسيحيين في 21 أيلول في حضور 26 نائباً، وضع المبادرة في يد البطريرك الذي حمّلهم مسؤولية الإستحقاق، بيد أنهم إنقسموا في ما بينهم على المرشّحين، فمنهم مَن أيّد الحكومة الإنتقالية ومنهم مَن رفضها، على أنهم أجمعوا على رفض انتخاب الضاهر وعقد الجلسة في ساحة النجمة. تواصلوا مع حسين الحسيني لإقناعه بإبدال مقرّ جلسة الانتخاب على الأقلّ، فلم يستجب. فهموا إذذاك أنها إرادة دمشق.
أجابهم باقتضاب: "لا أستطيع".
ها إن الدائرة أُقفِلت علينا تماماً. وصلنا إلى آخر نفق لا منافذ له، كأن لا غد ينتظرنا.
طبعاً، ساد التشاؤم الأجواء، وتوجّهتُ بعد ذلك إلى قصر بعبدا لإعداد برنامج اليوم التالي. كان لا بدّ من أن يكون يوماً حاسماً، لأن قرارات مهمة عدّة كانت تفرض نفسها. همّي الأول تشكيل حكومة جديدة وكنت أدركُ أصلاً حجم الصعوبات التي تنتظرني.
نبض