لبنان "الإعداد والأرقام"!
Smaller Bigger

تشاء أقدار اللبنانيين البائسة ان تعود الى زجهم اكثر من سائر بلدان العالم بين أسوأ عدادات الأرقام والأعداد التي تتنافس بين كارثة كورونا وكارثة الانهيار المالي ولا ندري أيهما اشد وطأة على اللبنانيين. كان يفترض ان يصنف لبنان ضمن منظومة البلدان الأقل تضررا نسبيا من كارثة الانتشار الوبائي (ولا نقول جائحة نظرا الى شدة قباحة هذه المفردة والتسمية) من خلال التشدد في الانتظام الجماعي والفردي في إجراءات الوقاية المتعارف عليها عالميا بعد فتح البلد والاقتصاد وعودة استئناف الحياة الى مختلف القطاعات والمؤسسات. لم تصمد التجربة اكثر من أسبوعين كانا كافيين لعودة انزلاق لبنان نحو موجة ثانية من الانتشار الوبائي بدأت معالمها تتخذ دلالات مقلقة للغاية من خلال تفلت الناس المخيف من كل إجراءات التباعد والحماية في كل مظاهر اليوميات اللبنانية. كما ان التهاون والتراخي من جانب السلطات والوزارات حيال هذا التفلت يبدو انعكاسا لتفكك سلطوي بل فوضى تنذر بأوخم العواقب الصحية في حال انزلاق البلد فعلا نحو موجة تخرج عن سيطرة الجسم الاستشفائي وقدراته. ولسنا نغالي ان قلنا ان تجدد الصراعات بين اجنحة السلطة ومجلس النواب ومصرف لبنان وجمعية المصارف حول ارقام المالية العامة والخسائر المالية للبنان في ازمته المتفاقمة ومفاوضاته مع صندوق النقد الدولي قد تفوق باضعاف الاكلاف الباهظة لتفشي كورونا في المناطق والمجتمعات الداخلية علما ان اللبنانيين لا يعلمون حتى الآن لماذا انهارت تجربة توحيد الأرقام بعدما كانت محاولات توحيدها اقتربت من ساعة الصفر. بين ارقام كورونا الصاعدة باطراد والمتنقلة بين منطقة واُخرى وعودة احتدام الصراعات على الأرقام المالية يكاد اللبنانيون يواجهون الأسوأ من تجارب الحروب بما يضعهم تحت رحمة الاعداد والأرقام ويوميات العدادات المتصلة بالأزمتين. العالم كله بطبيعة الحال يعاني من تمادي الاعصار الوبائي الذي يكاد عدد المصابين فيه يتجاوز التسعة ملايين شخص فيما سوف يقفز عدد ضحاياه فوق النصف مليون شخص. ولكن لبنان يعاني ازمة تعدد العدادات والأرقام والأعداد حتى ليكاد الناس يضيعون امام هذه المعاناة المزدوجة. ولا ندري فعلا كم تستشعر السلطة، ولا نعرف ما اذا كنا نقول الحكومة او العهد او الأجهزة او أي هيكل سلطوي آخر، جسامة انزلاق لبنان الى متاهات لن يبقى معها أي هامش لاحتواء اختصار لبنان بالكورونا او بتصاعد مشهد الانقسامات الحادة العمودية حول الأرقام المالية للدولة. والحال ان ثمة خطورة عالية في مستوى التجاهل والاستهتار المتسع باجراءات الحماية في المراحل الحالية من كارثة كورونا يبدو معها اللبنانيون كأنهم تخلوا عن كل إجراءات الحماية دفعة واحدة ولم تعد تعني شيئا لهم. كما ان ثمة خطورة لا تقل جسامة في الفشل والانقسام داخل السلطة حول الأرقام المالية الى ان بدأ الامر يهدد الان جديا الآمال في نجاح المفاوضات مع صندوق النقد الدولي. أساسا لم يفهم اللبنانيون ما اذا كانت معركة الأرقام المالية تدور فعلا حول حماية ودائعهم او حول خلفيات أخرى تتصل بكل شيء الا بمصالح اللبنانيين. والأخطر ان تتصارع إرادات هذه السلطة حول الاعداد والأرقام فلا يبقى من صورة لبنان الا هذا الاختصار البشع لعدادات الانهيار والوباء!

[email protected]