رئاسيات 2014 - روبير غانم من نائب المقعد المستحدث إلى رجل الحوار والمرشّح الدائم / لتشكيل "قوة المعتدلين" وتطبيق الطائف ولن أستجدي المنصب من أحد

1 نيسان 2014 | 01:33

في حزيران 1995 كان رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، مجتمعا "على الواقف" بالوزراء فؤاد السنيورة وبهيج طبارة وروبير غانم، على هامش جلسة لمجلس الوزراء، فسألهم الرئيس الياس الهراوي "شو عم تتآمروا علي؟" فرد الحريري: "لا يا فخامة الرئيس. نحن معك ومع التمديد، لكن في حال تعثره، روبير مرشحنا لرئاسة الجمهورية". لكن هذه الدعابة تحولت جدية عام 1998، وأصبح اسم روبير غانم مطروحا دائما في بورصة الترشيحات، ومن الاسماء المحتملة عند كل استحقاق رئاسي.

يتميز غانم باعتداله وبفكره المنفتح، ويعتمد الحوار نهجا واسلوبا، وكلها مميزات تصب في مصلحته، وتزيد حظوظه في الوصول الى المنصب الاول في الجمهورية اللبنانية، الذي يتطلب هذه الصفات. وعلى رغم انه ابن قائد الجيش سابقاً اسكندر غانم الذي لامس العمل السياسي من دون ان يصنعه، الا ان روبير غانم دخل هذا العالم من باب المصادفة او ربما الحظ. ابن "الجمهورية الثانية " التي قامت على اساس "اتفاق الطائف"، وأوصلت انتخاباتها النيابية الاولى وجوها جديدة الى مقاعد مستحدثة في بعض الدوائر الانتخابية، كان من بين اهدافها توزيع الثقل التمثيلي، وخصوصا المسيحي، ونقله من جبل لبنان الى الاطراف، مما رفع عدد النواب من 108 بحسب الطائف الى 128 نائبا. وهنا كانت الانعطافة التي شكلت تحولا جذريا في حياة المحامي روبير غانم.

استحدث من اجله
في نيسان 1992، تلقى في باريس، التي انتقل وعائلته الى الاقامة فيها منذ عام 1978، اتصالا هاتفيا من ابن عمته المدير العام للامن العام في حينه ريمون روفايل، يبلغه فيه استحداث مقعد ماروني في الدائرة الانتخابية للبقاع الغربي، سيخصص لبلدته صغبين كونها كبرى البلدات المسيحية في ذلك القضاء، وان الرئيس الياس الهراوي يريد ان يؤول الى احد افراد العائلة، ويحضه على العودة الى لبنان للترشح عنه. كان غانم مستشارا قانونيا لبعض رجال الاعمال العرب في اوروبا، ومن بينهم رجل الاعمال السوري عثمان العائدي، الوثيق الصلة بالمسؤولين السوريين، فطلب اليه غانم استمزاج رأيهم وسؤالهم ما اذا كان لديهم مرشح معين. وعاد العائدي حاملا الى غانم موقفا ايجابيا حياله، وثبته بزيارة اصطحبه فيها الى دمشق حيث عرفه الى بعض المسؤولين السوريين المعنيين بالملف اللبناني، ما شجعه على خوض المعركة النيابية على "لائحة القرار" برئاسة وزير الداخلية في حينه سامي الخطيب، ضامنا الفوز سلفا، وقد ضمت الى الاثنين، ايلي الفرزلي ومحمود ابو حمدان وعبد الرحيم مراد وفيصل الداوود، وحاز غانم يومها 32،2 % من نسبة المقترعين في دائرته. ومذذاك توالت زياراته الى دمشق، ونسج علاقات مع المسؤولين الكبار فيها "حتمتها طبيعة العلاقات بين البلدين التي تفرض التنسيق علنا ومن دون حرج".
لكن الامور اختلفت في دورة انتخابات 1996، إذ خسر غانم امام منافسه هنري شديد، بعد تلقيه باقة ورود كبيرة من الرئيس رفيق الحريري مهنئا بنجاحه، ومكالمة هاتفية من مدير عام الأمن العام ريمون روفايل تؤكد تقدمه على خصمه. لكن النتائج النهائية اتت مغايرة، واظهرت خسارته امام خصمه بفارق 1270 صوتا. لم يقتنع غانم بالنتيجة، وتقدم بطعن امام المجلس الدستوري، بذريعة التلاعب في صناديق الاقتراع، وربحه بالاجماع بعد 7 أشهر، واستعاد مقعده اثر انتخابات فرعية، آثر شديد الانسحاب من خوض غمارها، بعد تيقنه من سحب "حزب الله" الدعم له. ولا يزال يشغله حتى اليوم اثر فوزه في دورات الاعوام 2000 و2005 و2009، والتمديد الاخير للمجلس النيابي في 2013.

ابن الدولة
هادىء النبرة، انيق ورصين. نائب ومشرع مثابر، يدخل المجلس حاملا حقيبته الجلدية التي تحوي الملفات واقتراحات القوانين. مواظب لا يغيب عن الجلسات العامة، ولا عن اجتماعات اللجان النيابية، لا سيما لجنة الادارة والعدل التي يرأسها منذ عام 2005. برلماني ديموقراطي، معارض مرن، مستقل في ادائه. ينسج علاقات جيدة مع مختلف الاطراف، ولم تعرف عنه خصومات حادة مع احد.
ترعرع في منزل يقوم على مفهوم الدولة، ووالده ابن المؤسسة العسكرية وقائدها، فمن الطبيعي ان تترسخ لديه فكرة الوطن والشرعية، وألا ينخرط في صراعات الميليشيات والاحزاب، وهذا ما دفعه الى مغادرة لبنان الى فرنسا عام 1978 اثر مجزرة اهدن، وبقائه هناك طوال فترة الحرب. يؤمن بقوة الاعتدال، وبأن لبنان لا يقوم الا على هذه القاعدة كعقيدة ومسار، لأن مبرر وجوده هو العيش المشترك والتسامح وقبول الآخر. يؤمن بلبنان النهائي لجميع ابنائه، "لبنان اولا، وأولا، وأولا"، وينادي بضرورة تشكيل "قوة المعتدلين"، لأن هذا البلد "لا يمكن ان يتقدم ويتطور، ولن تعود كرامة الانسان الى المواطن، الا بالاعتدال".

معارضة وموالاة
هو ليس موالياً بمعنى الموالاة العمياء، وليس معارضا بمعنى المعارضة المطلقة، وله مواقف عدة مستقلة، ميزته عن الاطراف التي يلتقي معها حول قيم ومبادىء معينة. فهو لم ينسحب مثلا من جلسة الثقة لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي الاخيرة عندما طلب فريق 14 آذار الخروج من مجلس النواب قبل طرح الثقة، بل بقي في القاعة لكنه امتنع عن اعطاء الثقة، كي لا يقال ان الحكومة نالت الثقة وعارضها واحد فقط.
تأرجحت علاقاته مع الرئيس رفيق الحريري. في البدايات كان مواليا له لأنه كان يرى ان هناك خطة ما من اجل نهوض البلد على الصعيد السياسي والاداري والاقتصادي والاعماري، وهذا ما جعله "يدعم بعض الاقتراحات والعناوين الاقتصادية والمالية التي طرحها الحريري، على رغم ان الظروف كانت غير مؤاتية بالمطلق لامكان اتخاذ القرارات اللازمة". لكن في المقابل كانت له مواقف بشأن بعض القوانين وخصوصا قانوني الاعلام والمرئي والمسموع. وفي 29 /11/1994 صرح في مقابلة مع "النهار" ان "الطائف اخذنا الى دولة المذاهب، وهوت دولة المؤسسات، ومواقع السلطة اصبحت تعبر عن وزن المذهب الذي في رئاستها". ازعج هذا الكلام الرئيس الحريري، وعاد غانم وكرره عام 2000 اضافة الى توجيه بعض الانتقادات حول الاوضاع المالية في الحكومة الثالثة. ولكن الامور لم تصل الى درجة القطيعة بين الرجلين، ولم يعتبر الحريري الامر انقلابا عليه.
تنبع مواقفه من اقتناعاته ومبادئه، وينسج علاقاته مع الآخرين على اساس القيم المشتركة التي تجمعه بهم. يعتبر نفسه حليفا لقوى 14 آذار، ويتشارك معها القيم التي فجرها اغتيال الرئيس الحريري، مثل العيش المشترك والتعددية وقبول الاخر والسيادة الاستقلال. لكن ثمة قيم اخرى يشارك فيها قوى 8 آذار، وفي مقدمها المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي، وتحرير الارض.

الطائف وتعديل الدستور
يؤمن غانم ايمانا كبيرا بدستور الطائف، وينادي بضرورة تطبيقه قبل تعديله، فهذا الدستور الذي "يسمى اداة عدالة سياسية، اتى بعد سقوط 200 الف قتيل، ومن الواجب تطبيقه اولا، وعندما يظهر خلل او ثغرة ما، يعاد النظر ببعض المواد غير الميثاقية". له مداخلات عدة في مجلس النواب في الاعوام 2005 و2006 و2008 تطالب باقرار اللامركزية الادارية لانها عامل توحيد مهما كانت موسعة، وبانشاء مجلس الشيوخ، والبدء بتهيئة النفوس لالغاء الطائفية السياسية.
هو ضد المساس بالدستور في المطلق، لكنه شارك في السابق في تعديله من اجل التمديد لرئيسي جمهورية "لأننا لم نكن في ظروف عادية، ولم تكن لدينا حرية اختيار الرئيس، وكانت هناك امور مطلوبة ومفروضة، ولم نكن قادرين على الوقوف ضدها، حتى الكبار لم يستطيعوا مواجهتها". لكن في السياسة لا شيء يدوم ولا يمكن الرجوع عنه. اليوم يعارض غانم كليا تعديل الدستور "لأن للداخل اللبناني في هذه الانتخابات كلمة اكبر. ومن المهم والضروري ان يكون اللبنانيون متفقين لاثبات وجودهم، والمشاركة في اختيار رئيس الجمهورية الجديد".
علاقاته طبيعية وجيدة مع معظم الافرقاء اللبنانيين، بصرف النظر عن خلافاته السياسية معهم، فهو بعيد عن الشخصنة. لا يؤمن "بالسلبية في السياسة، لانها لا تؤدي الى نتيجة ايجابية"، ويفضل العمل من داخل المؤسسات. علاقته مع الرئيس نبيه بري قديمة، منذ ان انتخب رئيسا للمجلس، وهو يتعاون معه كرئيس للمؤسسة التي ينتمي اليها، ولا يراهن على دعمه، "لأن له مرشحه المعروف". اما حظوظه بالرئاسة فمرتبطة "بالظرف الذي سيحصل فيه هذا الاستحقاق، فهو الذي يقرر، بمشاركة داخلية طبعا". في هذه الاثناء يقوم غانم بما عليه، باقيا على ثوابته ومواقفه واقتناعاته، و"لن يشحد الرئاسة شحادة من احد".
عام 1995 كان ترشيحه مجرد كلام ومزحة، لكن في 1998 تلقى دعما جديا من الرئيس رفيق الحريري، وكان من المرشحين الثلاثة الاساسيين والجديين الى جانب اميل لحود ورياض سلامة، لكن اللاعبين والظروف والسياسات أملت يومها العماد لحود. واليوم، هل سيبتسم الحظ لروبير غانم؟ ولمن ستكون الكلمة في التسمية؟

may.abiakl@annahar.com.lb

سيرة ذاتية

- ولد روبير غانم في 18 حزيران 1942 في صغبين - البقاع الغربي.
- هو النجل البكر للوريس خوري واسكندر غانم القائد السابق للجيش اللبناني.
- اكمل علومه الابتدائية والثانوية في مدرسة اليسوعية (بيروت) وسيدة الجمهور، وعلومه الجامعية في معهد الحقوق في جامعة القديس يوسف حيث تخرج مجازاً في الحقوق عام 1965.
- يتقن ثلاث لغات: العربية، الفرنسية والانكليزية.
- في 23 كانون الثاني 1975 تزوج من الصحافية في جريدة “لوريان لوجور” فيفيان حداد، ورزقا ولدين: اسكندر المتأهل من ميساء ابوعضل، ونديم. وهو جد لثلاثة احفاد: ليلا، وروبير لوكا، وتوماس.
- بدأ حياته السياسية عام 1962 كأمين سر لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان اللبناني وهو يتابع دراسته الجامعية.
- انتخب نائباً عن المقعد الماروني في البقاع الغربي في دورات 1992 و2000 و2005 و2009.
- عام 2005 انتخب رئيسا للجنة الإدارة والعدل النيابية ولا يزال.
- كان ايضا عضوا ومقررا في لجان التربية والتعليم العالي والثقافة والتعليم المهني والتقني، والاقتصاد الوطني والتجارة والصناعة، والاعلام والاتصالات. وفي تموز ترأس اللجنة النيابية التي شكلت لمتابعة تنفيذ مذكرة التفاهم مع مجلس الشعب السوري عام 2005 ، وهو عضو منتخب في المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
- عين وزيرا للتربية الوطنية في حكومة الرئيس رفيق الحريري الثانية عام 1995 حيث ساهم في رعاية وضع المناهج الجديدة، واقرار منهجية كتاب التربية المدنية.
- كان محاميا وكيلا لبعض رجال الاعمال العرب والشركات العربية والدولية، ومستشارا قانونيا لأعمالهم في اوروبا والولايات المتحدة وبعض الدول العربية، ومحامياً لمجموعة "النهار" و"الأوريان لوجور"، و شارك في تأسيس "النهار العربي والدولي" في فرنسا عامي 1976 و 1977.
- له مقالات صحافية، وألقى محاضرات، وشارك في مؤتمرات عدة حول التربية والتعليم والثقافة ودور المدرسة، وفي ندوات حول الامم المتحدة ودورها، ودستور الطائف، والطائفية السياسية، والمناهج التربوية، والتربية الشمولية، ودور الموارنة في المشرق العربي، والعيش المشترك وغناه في تنوع المجتمع وفوارقه، وفي تطلعات الثقافة في ظل العولمة والتكنولوجيا، ودور الأحزاب السياسية، والفساد.
- له إقتراحات قوانين، لا سيما ما يتعلق منها بخدمة العلم وبالثقافة الإيمانية.
- هواياته: المطالعة، وسماع الموسيقى الكلاسيكية، والمشي، وكرة المضرب.

محطات

- اوقفه المكتب الثاني في ابلح عام 1968 لانه كان يعمل لمصلحة جوزف سكاف، ومع ان والده كان قائد منطقة بيروت، الا انه لم يتدخل للافراج عنه.

- هو اقدم نائب ماروني منذ الطائف مستمر في مقعده منذ عام 1992 وحتى
اليوم.

- هو الاول في منطقته، إذ حاز اكبر نسبة اقتراع في دورتي 2005 و2009.

- يعتبر اللامركزية الادارية عامل توحيد مهما كانت موسعة، وليست عامل تفرقة.

- يؤمن بأن التربية في حاجة الى تطوير وتحديث لأنها هي اساس المجتمع الموحد والوطن.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard