.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لا ندري ما اذا كانت متابعة دقيقة لمجريات انفجار الاحتجاجات والاضطرابات الغاضبة والشغب المتصاعد في عدد كبير من الولايات الأميركية في الأيام الأخيرة، يشكل مبعث اهتمام واسع للبنانيين من زاوية مقارنة ولو في غير مكانها بين طبيعة مشهدَين شديدَي الاضطراب. بطبيعة الحال، ليس ثمة ما يصلح للمقارنة المباشرة إلا فعلُ الاحتجاج بين اميركيين يشتعلون غضباً الى حدود تفجير الشغب المدمر والحارق بفعل جريمة عنصرية جديدة ارتكبها شرطي ولبنانيين عادوا الى تفجير أنواع تعبيرية عن انتفاضتهم في الشارع بفعل فائض لا يتوقف من الازمات الخانقة. ومع ذلك لا يتعين على اللبنانيين اهمال الخطورة الكبيرة التي تكتسبها عولمة الإضطرابات والاحتجاجات والثورات التي تنذر بها واقعياً موجة العنف المتسعة في الولايات المتحدة الأميركية، والتي تتمدد الى كندا وربما لا تقف عند الكثير من الدول المرشحة للاشتعال بهذه العدوى السريعة الانتشار. ليست عدوى الشغب الاحتجاجي المعولم أقل انتشاراً من عدوى الإعصار الوبائي الذي سيقف على الأرجح وراء نظام عالمي آخر ترتسم معالمه حالياً بأسوأ ما يمكن تصوّره على أنقاض دمار اقتصادي واجتماعي غير مسبوق. ولعل المفارقة التي لن تعوّض اللبنانيين في أي حال عما آلت اليه أحوالهم ان العالم بمعظم أنحائه، ومن ضمنه الدول الأكثر امتلاكاً للقدرات الاقتصادية، لن تنجو هي الأخرى من زلزال التقويض الاقتصادي والاجتماعي الذي احدثه الإعصار الوبائي ولا يزال يمعن في تعميقه من دون أي أفق لإمكانات ردعه حتى اللحظة. والحال ان ما نراه في هذه المشهدية العالمية المضطربة لا يقدّم ولا يؤخر شيئاً في واقع لبنان المأزوم، بل يزيد عوامل تقليل فرص لبنان في الحصول على الدعم الدولي المتنوع المصادر. ومع ذلك ترانا نتساءل أمام هذه المفارقة التي تجمع لبنان بدول عظمى وكبرى في وقائع تتشابه بالاضطرابات والاهتزازات والعواصف الأمنية والاجتماعية والوبائية ولو اختلفت طبيعة تعبير الشعوب وانفعالاتها عن كل هذا الغضب المعتمل: ألم يحن وقت التحسّب في لبنان لعالم ما بعد زلزال كورونا الذي قد يغلب عليه انعزال تاريخي يحتم على الدول الصغيرة والفقيرة الاتكال على نفسها فحسب؟ المخيف في واقع انفجار العنف المجتمعي فيما لا يزال الإعصار الوبائي يتسع ويعمم أهواله، ان عولمة العنف لن تقف فقط عند حدود العوامل السياسية والثقافية الخاصة بكل دولة بل تنذر حتماً بجعل العامل الاجتماعي كابوساً أساسياً يتهدد باشتعالات عابرة للحدود والقارات. يمكن لبنان ان يقف متفرجاً على ما كان سبّاقاً فيه قبل إعصار كورونا وعاد يتلمسه الآن. ولكن ذلك لن يكون اكثر من "فشّة خلق" ساذجة لا اكثر ولا اقل بما يفتح الباب هنا على طبيعة ما بدأ يجري في شوارع المدن اللبنانية منذ أيام. ذلك ان فاقدي البصيرة وعقيمي الرؤية في السلطة وحدهم كانوا ليفاجأوا بالعودة المتدرجة تصاعدياً للتعبير الاحتجاجي الى الشارع بعدما تفاقمت أزمات اللبنانيين الى ذروات قياسية جديدة في ظل التداعيات الاقتصادية والمالية والاجتماعية لإعصار كورونا. ولكن ذلك لا يحجب القلق الوافد مع موجات الاحتجاجات المتجددة حيال أنماط فاشلة سابقة ومحدثة تتكرر وستحكم هذه الموجات بمصير سابقاتها ما لم تشهد تطويراً ناضجاً وجدياً لهذه الانتفاضة قد حان وقت تظهيره قبل فوات الأوان نهائياً.