فائض "انفلاشيّ"!
Smaller Bigger

لا نعتقد ان أي جهة لبنانية لا تزال تعتريها الأوهام بإمكان الخروج فعلاً بمكاسب سياسية في هذه الظروف إن هي أقدمت على لعبة الاستهلاك الطائفي مجدداً وقت تنذر مؤشرات الانهيارات الداخلية بأوخم المصائر التي تهدد اللبنانيين. لذا نود التصديق ان مسألة نزاع عقاري تاريخي في لاسا لن تخرج اطلاقاً عن أطر هذا النزاع، وان تنجح لمرة المساعي والجهود الحميدة في وضع حد نهائي للنزاع بما يعطل مفعول التلاعب به وتوظيفه كفتيل جاهز للفتنة الطائفية. ولكن النيات الحسنة وحدها غالباً ما تعجز عن ردع النزعات الحادة الى الاستقواء بمعطيات واقع سياسي مختل يحكم البلاد، بما يعني ان السذَّج وحدهم يقيمون على اعتقاد بان مجرد تحريك لمشروع زراعي تعاوني حرّك نزاع لاسا وحده في معزل عن مناخ أعمّ وأكثر اتساعاً. ليس الامر متصلاً هنا بانحياز الى فريق دون آخر ما دام القضاء وحده يجب ان يقول الكلمة الفاصلة والعادلة في النزاع العقاري، ويضع حداً حاسماً يقفل كل أبواب التوظيف والنفخ بالفتنة التي باتت تشكلها هذه القضية العالقة منذ أمد بعيد ومتراكم. لكن ما يعنينا أولاً وأخيراً في الأجواء والوقائع التي برزت من خلال التفجر الأخير لهذه القضية، هو النفَس الاستعدائي والاستقوائي الذي فرض وتيرة التشنج والتوتر والتحدي التي رفعتها فئة في وجه فئة أخرى، ليس استناداً الى ما تزعمه من حقوق عقارية فحسب، وانما، وهنا الأخطر، الى منطق الاستقواء بالأمر الواقع الذي اعتادت اتّباعه سابقاً ويبدو انها ماضية فيه راهناً ومستقبلاً. لا يمكن والحال هذه عزل نفَس الاستقواء المثير للاستفزاز الأهلي والحزبي والطائفي في لاسا وأبعد من لاسا سواء بسواء، عن تموّجات الاستقواء الأخرى السابقة واللاحقة التي واكبت استفاقة العبث بجمر لاسا. نعني بوضوح ان لاسا حتى لو فرضنا انعزالها تماما عن أي مؤثرات "دخيلة" أخرى ما كان الفريق الذي بادر الى تفجير المشكلة الأخيرة فيها ليذهب بعيداً في استفزاز أبناء بلدته الآخرين وسواهم لولا مناخ محفّز إن لم نقل محرضاً على الاستقواء ومحاولات فرض الوقائع بالقوة المباشرة أو الخلفية الاستقوائية. لا تمس قضية النزاع العقاري في لاسا بشكل متجرد ومعزول، ويجب ألا تمس، بمناخ الاستقرار الأهلي العام، خصوصا اننا نود التصديق دوما ان أحداً لا يملك الدافع والهدف والمصلحة من عملقة نزاع عقاري الى مستوى إشعال فتنة في منطقة يفاخر لبنان كله بواقعها الحضاري التاريخي. ولكننا نسارع الى المصارحة بان نزعات الاستقواء اكتسبت في الآونة الأخيرة طابعاً يراد تعميمه بما بات يصعب معه عزل النفَس الاستفزازي الذي كاد ان يشعل اضطرابات في لاسا عن الانفلاش الاستقوائي الذي طبع المشهد الداخلي أخيراً بطبعة تهديدية وانقلابية سافرة. هي حلقات في سلسلة بدأت مع خطبة المفتي الجعفري احمد قبلان الانقلابية على الصيغة كما على الطائف، ومرت بإيحاءات السيد حسن نصرالله عن "ترفّع" حزبه عن حكم لبنان وتلميحه الى امكان الاستغناء عن آخر وأخطر جسر خارجي يصل لبنان بالمجتمع الدولي والمتمثل بقوة "اليونيفيل". ولن يقف الامر هنا على الأرجح ما دامت السلطة بكل هرمياتها تستقوي على ناشطين لا فسحة تنفّس أمامهم سوى صفحاتهم على مواقع التواصل وتختفي ببسالة نادرة أمام "القوي" الفعلي!

[email protected]