23-05-2020 | 00:15
التعليم من بُعد: التشريع المتسرّع يخلق فوضى تربوية... نقص في الخبرة وضعف في التكنولوجيا والبرامج
التعليم من بُعد: التشريع المتسرّع يخلق فوضى تربوية... نقص في الخبرة وضعف في التكنولوجيا والبرامج
Smaller Bigger

يقول احد مسؤولي المدارس الخاصة العريقة ان التعليم من بعد الذي فرض نفسه فرضا على الدراسة في العالم كله بسبب جائحة كورونا، كشف عن الثغرات الكبيرة ان في الكفاءة التكنولوجية للاساتذة والمعلمين، او في البرامج والمناهج “المتخلفة” عن التكنولوجيا والتطورات في هذا العالم الواسع، وايضا في ضعف البنى التحتية للبلد، و”الخبرة كادت ان تفضحنا”. ورغم ذلك ارتفعت اصوات تطالب بتشريعه بسرعة في لبنان الذي لا يعترف الى اليوم بالتعليم من بعد، رغم المحاذير والمخاطر التي تواكب هذا الاقتراح. لقد اعدت الدكتورة فيروز فرح سركيس رئيسة المؤسسةاللبنانية للتربية والانماء، ورئيسة الجامعة العربية المفتوحة في لبنان لنحو ربع قرن، دراسة تضيء على هذه المحاذير، وتنشرها “النهار” التي ستواكب عبر مقالات وتحقيقات المسار الجدلي لهذا التطور او لهذا التغيير الذي لم يعد ممكنا ادارة الظهر له.

برز التعليم من بعد في معظم الدول التي شرّعته كحاجة اقتصادية حيث كانت هنالك حاجة لمتخرجين جامعيين لديهم المهارات المطلوبة ولا تستطيع الجامعات التقليدية استيعابها وذلك للمساهمة في تطوير الاقتصاد، او بسبب المسافات البعيدة للوصول الى الجامعة كما هي الحال في الدول الكبيرة المساحة مثل كندا او اميركا او الصين أخيرا، او كما حصل لجامعة القدس المفتوحة حيث منعت السلطات الاسرائيلية طلاب غزة من الالتحاق بجامعات الضفة الغربية، او بسبب الحاجة للعمل والدراسة في الوقت نفسه للذين يودون الالتحاق بالتعليم العالي، او بسبب الحاجة للتدريب على العمل. اما بالنسبة الى لبنان فلم تكن هناك حاجة ماسة للجوء الى التعليم من بعد بسبب كثرة الجامعات التقليدية وفروعها والتي غزت جميع المناطق اللبنانية، وكثرة المتخرجين الذين اصبح العدد الاكبر منهم عاطلا عن العمل حيث وصل الى 44% حتى حزيران 2019 بحسب دراسة للكاتب، او 35% بحسب دراسة الاحصاء المركزي للجامعيين 2019 ايضا. اما اليوم وبسبب الوباء الذي الزم الطلاب البقاء في منازلهم ظهرت الحاجة الى استعمال هذا النوع من التعليم، وكان من الطبيعي استعمال هذا النوع من التعليم، وحصل ذلك بصورة فوضوية نظرا الى عدم وجود خبرات في هذا المجال الا في بعض الجامعات التي كانت لها سابقا محاولات لدعم بعض المقررات من خلال التعليم الالكتروني، وكذلك الامر بالنسبة الى المدارس حيث هذا النمط من التعليم لم يكن ضمن برامجها اطلاقا. لقد نما التعليم من بعد وتطور في الدول الصناعية والمتطورة، وعندما احتاجت الدول الاخرى لاستعمال هذا النمط من التعليم لمحو الامية او للتوسع في التعليم الجامعي، عمدت الى ادخاله وتطبيقه في مجتمعاتها من دون تعديلات ومن دون اخذ الاختلافات الثقافية والبنى التحتية لهذه الدول في الاعتبار. لذا لم يكن ناجحا كما كانت تتوقع، اضف الى ذلك النقص في الخبرات في هذا النوع من التعليم ان بالنسبة الى الاساتذة او الاداريين او مستوى التكنولوجيا او تصميم المواد التعليمية واختيار التكنولوجيا المناسبة لها، كما ان الكثير من المتعلمين لم يكن باستطاعتهم الوصول الى التكنولوجيا المتطورة، اضافة الى عدم وجود بنى تحتية ملائمة كانقطاع التيار الكهربائي او الانترنت. لقد مر هذا النوع من التعليم بمراحل عدة وما زال حتى اليوم بحاجة الى التطوير خصوصا مع التطور السريع للتكنولوجيا التي هي اهم الوسائط في التعليم من بعد. وقد تبين اثناء جائحة كورونا انه حتى في الدول المتطورة والمتقدمة في هذا المضمار ونظرا الى الاعداد الضخمة من الطلاب والاساتذة التي اضطرت للجوء الى التعليم الالكتروني، تبين ان التكنولوجيا ما زالت قاصرة عن تلبية متطلبات هذا النوع من التعليم بالشكل المرتجى. غير ان العنصر الاساسي في التعليم من بعد والذي ما زال العمل عليه بحاجة لجهود كبيرة هو جودة التعليم، اذ انه المتطلب الاساسي من قبل صناع القرار كالوزارات المسؤولة عن مخرجات التعليم ولجان ضمان الجودة كما وسوق العمل. وهنا لا بد من التذكير بان متطلبات ضمان الجودة للتعليم عن بعد تختلف عن متطلبات التعليم التقليدي. ان نظرة واقعية الى استعمال التعليم عن بعد في الدول المتطورة او التي هي في طور التطور توضح فوائد هذا النوع من التعليم ومساوئه وكيفية ادارته. من الفوائد المعروفة المرونة في المكان والزمان وتحاشي التنقلات والكلفة المنخفضة للاقساط والتواصل مع المدرس في اي وقت عن طريق ترك رسائل الكترونية يجيب عليها المدرس، واحيانا التواصل هاتفيا في اوقات اخرى يحددها المدرس. وبالنسبة الى المؤسسة يمكن استيعاب عدد اكبر من الطلاب وعدد اقل من المدرسين. اما بالنسبة الى المساوئ فتتلخص بخسارة التفاعل إن بين الاستاذ والطالب او بين الطلاب في ما بينهم، وقد بينت الكثير من الدراسات التي اجريت حول آراء الطلاب في التعلم من بعد ان معظمهم يفضل التعلم وجها لوجه والدراسة في حرم جامعي، كما ان هنالك شرودا وعدم تركيز بالنسبة الى الكثير من الطلاب الذين يدرسون عن بعد. اما بالنسبة الى تدني الاقساط فصحيح انها اقل من التعليم التقليدي ولكن هنالك تكاليف مخفية مثل كلفة الانترنت واجهزة التكنولوجيا وبرامج تتطلب اشتراكات بكلفة عالية.