لبنان المتردّي اقتصادياً والهش اجتماعياً يواجه اليوم بما يفوق طاقته طارئاً صحياً مستجداً، يحتم عليه، في حال التخاذل، الانزلاق نحو تبعات اقتصادية - صحية وخيمة.
في وقت يسيطر الهلع شبه المطلق على اللبنانيين الذين ألِفوا الأزمات بانواعها كافة، استضافت الحلقة الأولى من برنامج #COVID19STUDIO، وهو ثمرة الشراكة بين "النهار" والجامعة الأميركية في بيروت، الدكتور ناصر ياسين والباحث في علم الفيروسات والامراض الوبائية الدكتور حسن زراقط لمناقشة انتشار فيروس كورونا بالارقام وتأثيره الاقتصادي والاجتماعي على لبنان والعالم. ويقدّم البرنامج مدير الاعلام والعلاقات العامة في الجامعة الأميركية في بيروت سيمون كشار، ويبث كل ثلثاء وخميس الساعة الرابعة بعد الظهر عبر "يوتيوب" و"فايسبوك" "النهار".
سجَّل لبنان 15 حالة مصابة بفيروس كورونا امس، مما رفع العدد الاجمالي إلى 494 إصابة، بزيادة 3% يومياً، مقارنةً بالأسابيع الماضية حيث كانت زيادة الإصابات ترتفع يومياً بحوالى 30%. وتجدر الإشارة هنا إلى أن "إجراءات الحماية لبنانياً من كورونا اتُّخذت في مرحلة مبكرة من انتشار الفيروس"، حسبما يرى الدكتور زراقط، في إشارة إلى فعالية "إجراءات الرصد في المطار، ومن ثم اغلاقه والمدارس والمؤسسات العاملة على مستوى البلد، مما ساهم في التخفيف من سرعة انتشار كورونا". ومع الحجر الصحي، باتت الحالات تتضاعف كل أسبوعين، في حين كانت تتضاعف كل أسبوع، "وهو مؤشر جيد". لكن ما يستدعي القلق بحسب زراقط هو اعلان وزارة الصحة عن 25% من الإصابات لم يتم التثبت من مصدرها بعد، إذ بدأ تشخيص الفيروس لدى الحالات المستوردة، في حين نلاحظ اليوم تفشي كورونا بين السكان المحليين.
كثيراً ما يحكى عن أن خطورة فيروس كورونا على المسنين أكبر مما هي عليه على الفئات العمرية الصغيرة. في هذا الإطار، نلاحظ أنه من بين كل 10 اصابات هنا 5.5% منها هي من الشباب، أي مَن تراوح أعمارهم ما بين 20 و49 سنة، لأنهم عرضة للاختلاط بالمصابين أكثر لجهة التنقل والعمل والسهر وغيرها. لذا يعتبر زراقط أن "للفيروس وقعاً قوياً على الفئات العمرية كلها، وبالدرجة الأولى على كبار السن"، في وقت يرى أن "الأطفال هم وعاء نقل الفيروس، إذ لا تبدو عليهم العوارض في حال التقاطهم العدوى، إما بسبب المناعة أو لأن أجسامهم لم تكوّن بعد لواقط الفيروس".
هزّ فيروس كورونا الاقتصاد العالمي بشدة، ولم يكن وقعه على الدول المتقدمة اقتصادياً أرحم مما كان على الدول الأخرى. ويمكننا الحديث عن تشابك الأزمة الاقتصادية اللبنانية وأزمة كورونا، مع أن التخبط الاقتصادي أقدم من 17 آذار، ويتمثل أولاً بالأزمة النقدية التي ما زال لبنان يعاني تبعاتها، ثم الازمة المصرفية وازمة الدين السيادي. كل هذه الازمات تفاعلت بعضها مع بعض لتجعل من اقتصاد لبنان عيناً تقاوم المخرز بلا جفن.
"تضاعفت هذه الازمات مع انتشار فيروس كورونا في لبنان والعالم لتولّد انكماشاً اقتصادياً محلياً وعالمياً"، يقول المدير الموقت لمعهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأميركية في بيروت، الدكتور ناصر ياسين، مشيراً إلى "تقلّص قدرة المودعين على الحصول على مدخراتهم من المصارف، وبالأخص صغار المودعين وأصحاب الرساميل المتوسطة، ومع ارتفاع الأسعار بنسبة 52%، في حين لا يحمي أي نظام اجتماعي 55% من القوى العاملة".
أمام اتساع الضائقة الاقتصادية، يرى ياسين ضرورة تدخل الدولة المباشر، "أي عبر تقديم التعويضات والمساعدات الغذائية، كما عليها حماية الموظفين من الطرد التعسفي، استناداً الى المادة 50 من قانون العمل"، كذلك يبقى على الدولة، في وقت لا بارقة أمل تلوح في الأفق، تجميد الاخلاءات وتأجيل دفع الضرائب والرسوم لفترة أشهر قليلة خلال فترة التعبئة العامة. كما يشدد ياسين على "ضرورة وضع قانون يفرض ضريبة على الثروات تدعم المتأثرين من الحجر الصحي والأزمة الاقتصادية، من مياومين وأصحاب دخل محدود، وتلحق بها ضريبة تصاعدية" للعمل على ترسيخ مبادئ التضامن الاجتماعي وإرساء نموذج العدالة الاجتماعية.
في مقلب آخر، يستورد لبنان 85% من السلة الغذائية، وفي مواجهة كورونا، يعمل عدد من الدول على تطبيق سياسة غذائية حمائية لتأمين الاكتفاء الذاتي والعمل على سد أي فجوة غذائية قد تطرأ. ويرى ياسين في هذه الأزمات المتتالية "فرصة لدعم الدولة للانتاج الزراعي المحلي وتحفيزه وتحسينه، والتحول نحو اقتصاد منتج لتحقيق الأمن الغذائي، في ظل توقف الاستيراد، وفي وقت يتميز لبنان بشريحة واسعة من الرأسمال البشري تجعله الأكثر تقدماً في هذا المجال في المنطقة".
عودة المغتربين الآمنة هي ضرورة وحق وواجب، في وقت أكد رئيس مجلس الوزراء حسان دياب أنه والحكومة مع عودة كل من يرغب إلى الوطن. ويشدد زراقط على أن "الحكومة تعمل اليوم على تأمين خطة صحية متكاملة لضمان عودة المغتربين من دون تشكيل أي خطر على أنفسهم وعلى البيئة المستقبِلة لهم"، مشيراً إلى أنه "من المتوقع أن تضرب لبنان موجة كورونا جديدة مع بداية الخريف، لذا يبقى الالتزام الجدّي بالحجر المنزلي أولوية". ورمى ياسين المسؤولية على السلطة المركزية بـ"إعطاء دعم تقني مالي وفني للبلديات لمراقبة المغتربين وضمان عدم خرقهم للحجر المنزلي".
نبض