أقفل المهرجان اللباني للكتاب "دورة مئوية دولة لبنان الكبير" قبل أن يكمل نشاطاته انسجاماً مع الدعوات إلى اتخاذ الحيطة والحذر خوفاً من تفشّي فيروس كورونا. كما فعل "مهرجان البستان" ونشاطات أخرى بدت في اليومين الأخيرين كأنّها تسير بعكس الرياح وخارج الزمن "المريض".
والحركة الثقافية – انطلياس التي أرادت الاحتفاء بـ"مئوية لبنان الكبير" أصدرت، تزامناً مع المعرض، عدداً خاصاً لجريدة (4 صفحات" جمعت مقاطع من رسائل ومداولات وعرائض ومخطوطات مهدّت لقيام لبنان، منها ما يعود إلى العام 1863 بقلم البطريرك الماروني بولس مسعد الذي كتب: "إن جبل لبنان كما يشهد علم الجغرافية، يتبدّى لجهة الشمال من حدود لبنان النصيريّة الفاصل بينه وبينها النهر الكبير. وينتهي إلى جهة الجنوب عند مرج أبي عامر إلى شرق عكّا، كما يدخل جبل الشيخ وحاصبيا ووادي البقاع في تحديده للبنان من جهة الشرق".
وبولس نجيم طالب عام 1908 بتعزيز الاستقلال الذاتي لجبل لبنان وضم كل من بيروت والبقاع الخصب وكذلك بلا بشارة وعكار والحولة ومرجعيون إلى متصرفيّة الجبل.
وحزب الاتحاد اللبناني يطرح عام 1909 مطلب "استقلال لبنان المُطلق بحدوده الطبيعيّة بضمان الدول".
ويعود إلى مذكّرة البطريرك الياس الحويك إلى مؤتمر الصلح قدّمها في باريس في 25 تشرين الأول 1919 "إن لبنان لا يُطال في الواقع إلّا بإعادة مناطقه إليه التي يقرّها التاريخ وتثبتها خريطة رئاسة الأركان الفرنسيّة لسنوات 1860 – 1862. إن إعادة لبنان إقليميّاً إلى حدوده التاريخيّة كما يلي: غرباً المتوسّط – شمالاً النهر الكبير، شمالاً بشرق: خط ينطلق من هذا النهر ويلتفّ حول سهل البقيعة والضفّة الشرقيّة لبحيرة حمص، شرقاً، تم الجبل الشرقي "انيليبان" وقمم جبل الشيخ "جبل حرمون"...
ويقدّم الأمين العام للحركة الثقافيّة الدكتور عصام خليفة شرعة "حقوق الإنسان اللبناني" (بين مئوية دولة لبنان الكبير والعامية الكبرى) وممّا فيها:
بمناسبة مئوية اعلان دولة لبنان الكبير" يجدر بنا أن نتوقّف عند تقويم اداء القيّمين عليها في المرحلة الراهنة حيث يحصل زلزال كبير يهدِّد ركائز هذه الدولة ما في سُمّي انتفاضة تشرين الأول 2019.
وإذا أخذنا توصيات آباء القضيّة اللبنانية، في مرحلة التأسيس، كمعيار للتقويم لأمكننا أن نتفهّم بعمق الخلفيات الحقيقيّة لهذا الزلزال.
فالبطريرك الحويّك الذي قاد معركة "الحدود الطبيعية والتاريخيّة لدولة لبنان الكبير"، وقدّم المذكّرات وترأس الوفود، يلفتنا في تصريحاته ما اعتبره واجبات الهيئة الحاكمة من خلالها قيامها:
- "بنظام جنديّتها تدافع عن حدود الوطن، ومنع الأجانب من الاستيلاء عليه قسراً.
- تسعى لنظام الحياة الاقتصاديّة وتدرّب على الزراعة وعلى استثمار المعادن.
- تسهر على مصلحة الريّ والإنارة والملاحة.
- تساعد على تصدير الحاصلات إلى الخارج إنماءً للثروة.
- تسهّل نشر المعارف والفنون.
- تضع بشرائعها حاجزاً في وجه المظالم".
وفي رسالة مثقّفي الاتحاد اللبناني في مصر إلى الشعب اللبناني بتاريخ أوّل كانون الأول 1918، وهي من عيون الأدب السياسي، يمكن أن نتوقّف عند بعض النقاط الأساسيّة:
- التذكير بالمساعدة على مواجهة أهوال المجاعة وانخراط المهاجرين اللبنانيين مع جيوش الحلفاء لتحرير أرض الوطن، حيث تشرق شمس الحريّة التي لن يعقبها ظلام.
- حقّ لبنان بالاستقلال المُطلق في إطار الحقّ بتقرير المصير، وذلك بضمانة الدول الكبرى وكفالتها.
- هذا الاستقلال التام تكفله الدول الكبرى وتضمنه من خلال معاهدة دولية تضمن للدولة اللبنانيّة حيادها، وذلك ضمن شعار "استقلال لبنان التام بحدوده الطبيعيّة بضمانة الدولة".
- إصلاح الشؤون الداخليّة وتنظيم الأمور الاقتصاديّة بحيث يجد المواطنون في أرضهم راحتهم وحاجتهم ونعيمهم وحريّتهم.
- عدم الانقسام بين الطوائف والمذاهب ولا بين الأقاليم والأحزاب، والحرص على الوحدة الوطنية واليد الواحدة في العمل.
- أولويّة شعار: مساواة في الحقوق ومساواة في الواجبات.
- التوسُّع في الحكم الدستوري بإصلاح القضاء ونظام الانتخاب.
- إن الاستقلال بضمانه الدول الكبرى يجعل من لبنان "سويسرة الشرق" تُظلَّله الراحة ويخيّم عليه النعيم، فيرسل من قمم جباله نور الحضارة والمدنيّة .
عشية قيام العامية الكبرى كان المجتمع اللبناني يعاني من الفقر (45% تحت خط الفقر، وثمّة تفاوت كبير في توزيع الدخل، وتراجع في الخدمات الصحية والاجتماعيّة، وخلل في النظام التربوي على مستوى المدرسة وعلى مستوى الجامعة، وهناك هجرة الكفاءات إلى الخارج، وتصاعد في البطالة إلى 36%، وتفاقم أزمة النفايات وتشويه البيئة من خلال المقالع والكسّارات والمرامل، وأزمة سكن الشباب وتهافت قانون الإيجار، ويبدو واضحاً تحوّل الإدارة الرسميّة إلى مراكز قوى ومُحاصصات طائفيّة، وشيوع التوظيف الكيفي وتضخّم المُنتفعين بالرواتب، وتداعي المفاهيم والمقاييس الخلقيّة وانتشار الرشوة والسرقة والتحزُّب والفساد، وتعطيل هيئات الرقابة.
ومنذ العام 1990 وضع نظام الحرب يده على مفاصل الدولة وتعرّض الاقتصاد اللبناني إلى عمليّة نهب مُنظّم. لقد دخل إلى لبنان ما يزيد على 300 مليار دولار أميركي، أي أدخل لكلّ فرد ما يوازي 10500 دولار، لكن النتيجة أنّه أصبح على كل فرد ديناً لا يقلّ عن 25 ألف حيث وصل الدين العام إلى 91 مليار دولار، وتكبّد المواطنون 89 مليار دولار فوائد للديون، وتفاقم الهدر في مجالات الكهرباء والمرفأ والاتصالات، والأملاك البحريّة والنهريّة وغيرها الكثير. كل ذلك في ظلّ تواكل سلطة القضاء وقصورها عن فرض سلطة القانون. وبموازاة كل ذلك هناك مشكلة النازحين السوريّين في لبنان، وبروز أهميّة الغاز والنفط في شرق المتوسّط، وما يتّصل بهذين الملفّين من صراعات إقليميّة ودوليّة.
ردّاً على الانهيارات الاجتماعيّة والبيئيّة والاقتصاديّة والتربويّة تحرّك شباب وشابات لبنان في العاميّة الكبرى / الانتفاضة التي بدأت في 17 تشرين الأول 2019 ولا تزال مستمرّة. كان واضحاً أنّ المنظومة السياسيّة – الاقتصاديّة – والاجتماعيّة السائدة قد ابتعدت عن الأسس والقيم التي وضعها آباء القضيّة اللبنانيّة.
- أعادوا شبح المجاعة لتُهدِّد الشعب اللبناني.
- ابتعد الناس عن أرضهم فلم تبقَ وسيلة راحة لهم وأدة حريّة ونعيم.
- ثمّة قوى عملت وراهنت على الانقسامات على قاعدة الطوائف والمناطق والأحزاب.
- عدم إعطاء أولويّة إصلاح القضاء لجهة استقلاليّته، ومبادرته لإنزال الأحكام العادلة بمنظومة الفساد القائمة.
- التواكل في استثمار الموارد الطبيعيّة وبخاصة الثروة الغازيّة والنفطيّة والمائيّة.
- الخلل المُتمادي في قضيّة الكهرباء ومسؤوليّة هذا القطاع عن 40 مليار دولار من الدين العام.
- لامساواة في الحقوق ولا مساواة في الواجبات، ولا تسهيل لـ"نشر المعارف والفنون"، والتمادي في وجود المظالم على عدّة مستويات، وهناك محاولة لنهب مدّخرات ذوي الدخل المحدود، بدلاً من تحميل المتموّلين نتائج الأزمة الماليّة.
- ثمّة خطر داهم على حدود الوطن البرّي والبحري وثمّة تقاعس في تهيئة قوانا العسكريّة وتسليحها وتدريبها للدفاع عن المصالح العليا للوطن.
- ثمّة خروج على أسس السياسة الخارجيّة التاريخيّة للبنان (لا شرق ولا غرب) والحياد بين القوى العريبّة المُتصارعة، والتضامن مع الموقف العربي الجامع خاصّة في مواجهة أخطار إسرائيل أو محاولة تمرير التسويات على حساب الحقوق العربيّة والقرارات الدوليّة ذات الصلة.
إنّ عودة العاميّة إلى مرتكزات قيام دولة لبنان الكبير، من خلال قادتها التاريخيّين، واستمرار صلابة العاميّة في مواجهة منظومة الفساد المُتحكّمة بالأوضاع الراهنة، واستعمال الضغط الديموقراطي المُنظّم البعيد عن العنف والانقلابات الدمويّة، هذا الموقف هو الذي يُشكِّل طريق الخلاص لشعبنا.
الحركة الثقافيّة – انطلياس من خلال المحاضرات، والمؤتمرات التي نظّمتها على امتداد تاريخ نشاطاتها، ومن خلال المنشورات التي حرصت على طبعها وتوزيعها مجاناً، دافعت عن استقلال وسيادة الدولة اللبنانيّة، وعن حقوق الإنسان في هذه الدولة، لا بل عن حقوق الإنسان على امتداد المنطقة العربيّة.
وفي المرحلة التاريخيّة الراهنة، وبمناسبة مئوية قيام دولة لبنان الكبير، وفي المهرجان اللبناني للكتاب تستمرّ حركتنا في الإخلاص لقضيّتها الكبرى: الدفاع عن العدالة الاجتماعيّة، وعن قيم الاستقلال والحريّة، في مواجهة كل الأخطار المُحتملة.
نبض