هل للحياة معنى؟
Smaller Bigger

إنّ السؤال عن معنى الحياة قد يُلهينا عن طرحه الانشغالُ بأمور المعيشة التي لا تترك لنا مجالاً للتفكير في ما يتجاوز هموم الحياة اليوميّة. لكنّ هذا السؤال لا بدّ من أن يطرحه الإنسان على نفسه عندما يعاني صعوبات ومضايق أو يصطدم بما يهدّد وجوده، سواء أكان المرض في مختلف أشكاله، أم الموت الذي يُدرِك أنّه سيوافيه عاجلاً أم آجلاً. فالملحد الذي لا يؤمن لا بالله ولا بالحياة الأخرى يكتفي بالقول: لا معنى للحياة إلاّ في البحث عن السعادة في هذه الدنيا، ولا فائدة من التفكير في ما سيحصل للإنسان بعد الموت. هذا الجواب لا يُقنِع المؤمن الذي يُدرِك أنّ الإنسان بما وُهِب من عقل وروح يختلف عن الحيوان الذي يعود إلى العدم بعد موته. وهذا الذي يميّزه عن الحيوان يجعله يشعر في عمق ذاته بأنّه خُلِق لشيء أعظم من هذه الحياة.

إنّ الجواب عن معنى الحياة تعطيه الفلسفة التي ترتكز على العقل البشريّ، كما تُعطيه الأديان التي ترتكز على الوحي الإلهيّ. ويأتي متنوّعًا بتنوّع الفلسفات وتنوّع الأديان، التي تؤمن على وجه العموم بأنّ ثمّة استمرارًا، ولو بوجه جديد، لحياة الإنسان بعد الموت. ونجد في الفلسفات وفي الأديان تعاليم وإرشادات لتنظيم العلاقات بين البشر ليعيشوا في هذه الحياة بأمان وسلام في ما بينهم.

المسيحيّة التي تؤمن بالإله الخالق وبكلمة الله المتجسّد في شخص يسوع المسيح تنطلق من إيمانها هذا لتعطي للحياة معنى خاصًّا يشمل وجود الإنسان على هذه الأرض وحياتَه بعد الموت. فتقول إنّ الله قد خلق الإنسان على صورته ومثاله، وخلقه من فيض محبّته، ليشاركه في حياته الإلهيّة ويكون على هذه الأرض تجسيدًا لمحبّته للبشر. وهذه الصورة الإلهيّة في الإنسان لا يمكن أن تفنى بالموت. فكما أنّ الإنسان خُلِق ليشارك الله في حياته الإلهيّة على هذه الأرض، هكذا بعد الموت يدخل في "حياة أبديّة" هي حياة الله نفسه. هذا الإيمان ليس نتيجة تفكير بشريّ بل يرتكز على حدث التجسّد التاريخيّ الذي به دخل كلمة الله حياة البشر، فصار إنسانًا ليؤلّه الإنسان، وبقيامته من بين الأموات، حوّل زمن الإنسان المائت إلى زمن ممتلئ من حياة الله نفسه.