بيروت...
Smaller Bigger

... ما مسحت عن خدّها دمعة واحدة وهي تتلقّى حجارة شباب ما أخذوا من حقوق الحياة ما هو لهم وحرمهم إيّاها زعماء "كرتونيّون"، يستعبدونهم في كل المناسبات، زعماء ينتمون إلى كل المذاهب الدينيّة وإلى جشع الحياة. وليسوا أهل سياسة واعية، ولا أهل بناء أوطان، فقد فتحوا وعيهم الضئيل على ما أعطتهم الحياة من بساطتها علّها تلفتهم إلى دروب طموح سالكة في ضوء النهار، لا في ظلام الارتكاب، فما جذبهم إلّا الممنوع. وبيروت وسائر مدن لبنان وقراه وجباله ووديانه التي كانت نظيفة ذات يوم، تشهد على تجاوزاتهم التي بلغت حدّ الإجرام بحقّ الأمانة التي أوكلت إليهم، فبلغ لبنان اليوم ما هو عليه من تخلّف وجودي، وما من يُبالي.

وما بكت بيروت، فمن ضربها على خدّها الأيمن أرحم بكثير ممّن هدمها منذ أربعين عاماً وبدّل تاريخها ومعالمها من بيروت أمّ الشرائع والحقوق قبل ألفيّات، ثمّ في التاريخ الحديث: بيروت، عاصمة لبنان الفقراء والأغنياء معاً، بكل شوارعها وأحيائها، تُحبّهم ويُحبّونها، إلى بيروت الفنادق والمطاعم الباهظة، تحمل اسماً أجنبيّاً، ولا تطأها قدم، فهي خبّأت روحها داخل قلبها وانكفأت حزينة لأنّها لا تنتمي إلى رحمة زعامات قديمة أو جديدة، وهي لا تنتمي لأيّ دين، ولا لأي فكر سياسي بليد: هي أمّ الشرائع وإحدى محطّات الحضارة الكنعانيّة التي أعطت إنسان الأرض كل العلوم وكل الفنون وكل الفلسفة. واليوم يمرّ هذا الإنسان بعصر انحطاط شامل، كبرت أثناءه "أناه" الجاهلة، فظنّ أنّه لو ملك مليارات "الدولارات" بالحقّ أو بالباطل، ملك الوطن... فأهل المال والإقطاع، والحكّام الذين اقتطعوا أجزاء كبيرة من ارض لبنان وضمّوها إلى أملاكهم الخاصة، يظنّون أنّهم بالفعل يملكون الأرض بما وبمن عليها ويتصرّفون كآلهة ساحبين معهم إنسان هذا الزمان والمكان إلى القعر... ولا حمتهم أموالهم الباهظة ولا حمت الوطن والمواطن، بل هي منعت عن الجميع نور الشمس.