سنة 1453 تتكرر في لبنان؟
Smaller Bigger

يتّفق المؤرخون على أن سقوط القسطنطينية سنة 1453 يؤرّخ لبداية الفصل الثالث من تاريخ البشرية الذي نعرفه.

ففي هذه السنة، قام السلطان العثمانيّ محمد الفاتح وهو في بداية عشريناته بدكّ أسوار عاصمة البيزنطيين وإسقاطها، ليفتح الصفحة الأولى في ما يدعى التاريخ الحديث. كان البيزنطيون وعلماؤهم، في هذا الوقت، يتجادلون حول جنس الملائكة، وقد طال بهم هذا الجدل البيزنطي، إلى أن دخلت جحافل السلطان بيزنطية، وبذلك تم إسقاط أيا صوفيا، إيذاناً بفتح أولى صفحات الفصل الثالث من تاريخ البشرية .

أما آن لنا ونحن في لبنان أن ندرك أن فصلاً جديداً تتمّ حياكته على شاكلة ذلك العالم ونرى أن سقوط بيزنطية يُعاد رسمه على مسار ِإسقاط لبنان وعاصمته بيروت؟

لقد كان الحديث عن مؤشرات خارجية وأخرى صهيونية وأميركية تستهدف سقوط البلد وإنهاء ما كان يعرف بسويسرا الشرق أو بباريس المشرقية، غير أننا أغفلنا ما اقترفت أيادينا وما تآمرت به عقولنا لتدمير لبنان.

نحن المؤامرة الصارخة وأدواتها التخريبية المنفذة.

بحلول الفصل الرابع من العام 2016، قام مصرف لبنان بالهندسة المالية التي أقامت الدنيا ولم تقعدها حتى كتابتي هذه السطور.

ينقسم الاقتصاديون والمحلّلون بين مؤيّد ومنتقد حتى حدود إلصاق تهمة الانهيار الحاصل بتلك الهندسة وبسياسة مصرف لبنان النقدية بشكل عام.

ماذا حصل؟

مع بداية الحرب السورية في العام 2011، والتي تلازمت مع ما سمّي الربيع العربي ومع تدفق ما يقارب عدد ثلث الشعب اللبناني من اللاجئين السوريين إلى لبنان، ومع ما ترتّب عليه من عبء اقتصادي تنوء البلدان المماثلة تحت ثقله، أخذت المؤشرات الاقتصادية منحىً انحدارياً متسارعاً مع تلازم سياسيّ خطير، تمثل بفراغ رئاسيّ لأكثر من سنتين وبهدر الأشهر الطويلة لتشكيل الحكومات، كما ازداد فراغ الحوكمة على جميع المستويات الإدارية والرسمية.

كان العجز في موازنة الدولة وفي الميزان التجاري وميزان المدفوعات، إضافة إلى النموّ المتباطئ في الدخل القومي، ينذران بعواقب وخيمة إن لم يتم تداركها ستفضي حتماً إلى ما يشبه الوضع الحالي الذي نعيشه الآن. ومع تأكيدي أن سلسلة الرتب والرواتب والتي تلازم إقرارها في ذلك الوقت هي حقّ، إلا أنّ الموسم الانتخابي النيابي عندها لم يلقَ آذاناً صاغية للتعامل مع كيفية دفع المستحقات سواء من طريق تقسيطها على سنوات خمس أو ما شابه، هذا بالإضافة إلى عدم قدرة مقرريها على تحديد الأعباء الناتجة من ذلك.

خلال الفصل الرابع من العام 2016، وُضع مصرف لبنان بشكل عملي وعلمي بين خيارين:

1- إمّا التخلي عن السياسات النقدية وسواها والتي ساعدت على تثبيت الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وعلى تمويل متطلبات وحاجات الدولة، مما يستتبع بالتالي انهياراً اقتصادياً،

2- وإّما اللجوء إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة بما فيها الهندسات المالية للجم الانحدار في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، مع ما يستبطن ذلك من حثّ الجهات السياسية والحكومات على اتخاذ الخطوات والإصلاحات اللّازمة لوقف هذا الانحدار وإعادة النمو بالشكل الذي يؤدي إلى تغيير المسارات الانحدارية هذه.

وبعبارة أوضح، كان الخيار بين نفاد الوقت أو شرائه.