إفلاس يسابق إفلاساً!
Smaller Bigger

مع ان "الضرب" بالقوى السياسية الداخلية لم يعد مجديا عقب الكوارث التي تسببت بها للبنان ودفعته الى مصير مأسوي لم يكن ليرتسم حتى في الخيال فان مجريات المخاض الحكومي تحفزنا على مقاربة وجه مضاف من وجوه الافلاس السياسي في البلاد . الواضح بعد استئثار قوى تحالف الاكثرية الذي رشح الرئيس المكلف حسان دياب بقرار صناعة السلطة الانتقالية بعد استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري ان مصير هذه القوى كما تحالفها بدأ ينزلق بدوره الى طبعة مماثلة تماما لاندثار معسكر خصومها السابقين في تحالف 14 آذار بل ربما أسوأ . خرجت قوى 14 آذار من المشهد السياسي والسلطوي على وقع دفعها باحد اكبر خصومها الى رئاسة الجمهورية اولا وبواقع تبدل طبيعة الصراع الاقليمي والمصالح العربية والغربية المتصلة بالحرب السورية ثانيا . كان خروجها مماثلا في بعض جوانبه بالكلفة الباهظة التي كانت تكبدتها "الجبهة اللبنانية" إبان حقبات الحرب بفعل تبدلات هائلة في موازين القوى بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار جدار برلين الامر الذي قاد تدريجيا الى اتفاق الطائف . كما ان الوقائع الكبيرة لا تحجب الأثر الأخطر للوقائع الصغيرة والتفصيلية المتصلة بأخطاء قيادات 14 آذار والخلل في حساباتها ومعارك الطموحات المتصادمة بين بعضها الامر الذي أفضى الى انهيار تحالفها انهيارا مزلزلاً للتوازن الداخلي . كان طبيعيا والحال هذه ان يفيد التحالف المتصل بما يسمى محور الممانعة من ثورة 17 تشرين الاول 2019 للقبض على ناصية القرار السياسي ما دام معظم هذا المحور يتصرف بعدائية مكشوفة او مضمرة لهذه الثورة ويفيد من اخطاء الاخيرة وتراجعاتها اسوة بتغييب المحور الخصم تماما بعد استقالة الحريري وتكليف دياب تأليف الحكومة . غير ان الاضطراب المكشوف الذي باتت عوارضه تتصاعد من تحالف العهد وقوى 8 آذار بدأ يرسم صورة مخالفة تماما للواقع التقليدي المألوف لهذا التحالف الذي لم يعد يشده او يقوى على شده حتى طابع الارتباطات الاقليمية سواء بايران او بالنظام السوري كآخر عروة ممكنة لاستمرار استقوائه وسطوته السياسية . بات ممكنا منذ الخلجات الاولى للاضطراب الذي ساد صفوف هذا التحالف استقراء التحلل الذي بدأ يزحف اليه مع انكشاف التضارب المزمن في مصالح وحسابات كل من العهد والثنائي الشيعي تحديدا وهو تضارب سيمضي قدما كلما ضربت معالم الاهتراء الاقتصادي والمالي والاجتماعي البلاد على يد "سلطة الانتظار" التي عجزت قواها حتى الساعة عن تحديد المشتركات في تركيبة الحكومة فكيف ببرنامج انقاذ البلاد من الانهيار الكبير المفزع؟ ولعل المفارقة الأسوأ بالنسبة الى هذا التحالف انه في حين لا يزال يسكر على زبيبة اندثار تحالف خصومه الداخليين ويراهن على هزيمة الخصوم الخارجيين لمحوره الاقليمي نراه يقدم أسوأ الأسوأ في عرض الاستئثار باكثرية انفرط عقدها في اول الطريق بفعل تراكمات مزمنة من الحسابات المتناقضة كانت تتخفى وراء الشراكة الحكومية مع الخصوم في الحكومة المستقيلة فلما صارت قوى "تحالف الاحباء" وحدها وجها لوجه في بيت السلطة الخالي من المنافسين انفجرت حقيقة انتهاء مفاعيل المخدر الاقليمي المانع لفرط هذا التحالف وتصاعدت عوارض الهوان والتحلل داخل صفوفه . فهل ثمة من ينتظر بعد حكومة انقاذية مع هذا الافلاس السياسي المسابق للافلاس المالي؟

[email protected]