.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
لا توجد عبارات غامضة... بل توجد أفكار غامضة.
سيغموند فرويد
بعد أن حبس اللبنانيون أنفاسهم بانتظار الاستشارات الملزمة، ظهرت النتيجة غريبة من نوعها، حيث امتنع عدد كبير عن التسمية، فيما توافق العدد الأكبر على تسمية شخص لم يكن وارداً في بورصة التكليف، الأمر الذي أوحى بأن برنامجًا أُعِدَّ سلفًا لحرق الأسماء الممكنة، توصلاً إلى النتيجة المضمرة التي عبر عنها الرئيس تمام سلام بقوله إنها معلبة أو مسبقة الإعداد.
يقتضي التنويه أولاً بأن غموض الأفكار الذي يعتري أهل الحل والعقد، عبَّر عن نفسه بكلمات غامضة وتفسيرات أكثر غموضًا، من نوع أن الاستشارات الملزمة ليست ملزمة للرئيس بنتائجها وهذا يُعَدُّ مروقًا دستوريًّا وجهلًا سياسيًّا وعبثًا وطنيًّا، لأن العبارة الدستورية جاءت قاطعة الدلالة إذ نقلت صندوق الاقتراع على اسم الرئيس المكلف من مبنى المجلس النيابي إلى كنف رئيس الجمهورية دون أن تكون له إمكانية الاجتهاد أو الترجيح.
ومن ذلك الغموض أيضاً هذا الإعلان المتكرر عن حكومة "إخصائيين" الذي يهمل بصورة فاقعة الدلالات اللغوية ومن ثم السياسية للكلمة، إذ إن الاختصاص لغةً - كما ورد في "لسان العرب" تحت مادة خصص - هو أن يختص فلان بالأمر ويتخصص له، فالاختصاص هو المصدر، والاختصاصي هي النسبة إليه، أما كلمة إخصائي، فخارج السياق اللغوي المقصود بل تنتمي إلى مادةٍ أخرى في "اللسان" هي "خصا" بدلالة هذا الفعل المعروفة، فالخصاء يكون في الناسِ والدوابِّ والغنم، كما شرحَ ابنُ منظور.
أما عن "المعنى السياسي" للكلمة فالأمر يأخذنا إلى ما هو أدهى، لأن أهل السياسة الحاليين المتسلحين بعضلاتهم التسلطية استباحوا القاموس اللغوي كما استباحوا القاموس الدستوري من قبل، وسوَّغَ كل واحد لنفسه حق التفسير والتأويل وتركيب الرغبات على صهوات الكلمات وقد فاتهم أن القاموس حرون، وأن كلماته لا يتطامن متنها إلا لفوارسها، فالمعنى النافر لن يجد إلا نفورًا من الأحرف التي تجمعت عبر القرون لتكون في خدمة الدلالات القاطعة، لا الأهواء الفاقعة.
في القاموس السياسي المـُخَلَّق ، طفحت المصالح على أحكام الدستور، فصار الفراغ الرئاسي "صموداً " وتعطيل تشكيل الحكومات "حنكة"، بل خرجت الميثاقية من سياق الدستور الذي نص عليها بشكل جامع مانع ، كما يقول الدكتور خالد قباني ، وتحولت سلعة رخوية بلا عظام ولا عمود فقري وامّحت ملامحها حتى صارت عجينة مبتذلة، تشكلها أصابع فظة غريبة عن الذوق والأناقة الوطنية.
وقد يتساءل المرء عمّا إذا كانت معاناة لبنان الحالية ناجمة عن وقوعه في هذا الفالق الجغرافي والتاريخي، أم عائدة إلى ركاكة البنية السياسية التي نضبت أو تكاد من رجالات تمتعوا بالرؤية البعيدة والنزاهة والإرادة، وكانوا قادة حكم لا قادةَ مظاهراتٍ طائفية. والجواب أن السببين يتكاملان ويتشابكان لشد الخناق على دولة مكونة من معادلات دقيقة، بحيث تكاد تلفظ أنفاسها لولا أنها، وفي لحظة استثنائية، كسرت النساء القوالب، كما أشار سمير عطا الله، وخرجن من أعمالهن المنزلية إلى ترتيب المنزل - الوطن، فنظفن ساحاته، وأزلن نفاياته، وظاهرهن المراهقون والفنانون فتشققت الطبقة الكلسية التي ربضت على العقول والأفئدة وآلت حركة الشعب اللبناني إلى ظاهرتين ضاربتين في عمق التكوين الشعبي، أولاهما في الشوارع وثانيتهما في البيوت التي شاركت الشوارع من خلال المتابعة الإعلامية المستدامة، وربما كان أهل البيوت أكثر حماسة لأنهم كانوا يشاهدون حيوية الشعب اللبناني وقد امتدت من أقصى الخريطة إلى أقصاها.