هل الطائف ينهار أم دولته؟
Smaller Bigger

في 23 تشرين الاول 2019 لم يتنبّه احد في لبنان الى ان ذاك اليوم صادف الذكرى الثلاثين لاعلان التوصل الى اتفاق انتج ميثاقا تاريخيا وضع أوزار حرب دمرت لبنان طوال 15عاما، وتم التوصل اليه في مدينة سعودية حمل اسمها وصار الأساس البنيوي لجمهورية ما بعد الحرب. اتفاق الطائف هذا بكل دلالاته ووقائعه التاريخية كان قد أُدرج ضمناً على الاقل على طاولة التساؤلات المصيرية قبل ايام فقط من ذكرى مرور ثلاثة عقود على ولادته، اي حين اندلعت في لبنان ثورة غير مسبوقة بوقائعها وبطبيعتها وبدوافعها وبأهدافها كما بظروف اشتعالها. كانت مفارقة دراماتيكية كبيرة انضمت الى مجموعة مفارقات مماثلة فجّرتها انتفاضة 17 تشرين الاول 2019، منذرة بجعل هذه السنة الواقفة الآن عند مفترق الأفول احدى أسوأ السنوات التي ستدخل في سجل التجارب اللبنانية من باب تاريخ سيدوّن فيه ان لبنان عاد وانفجر بعد ثلاثة عقود من السلم الأهلي، ولو اقتصر انفجاره على الطابع الثوري بأسباب مالية واقتصادية واجتماعية عمادها الفساد الضاربة جذوره في عمق اعماق الدولة والمؤسسات والسياسة والإدارة والمجتمع بكل قطاعاته. للمرة الاولى ينفجر لبنان بغير اسباب سياسية وأمنية واحتلالية ووصاياتية، فهل كان الانفجار بسبب الطائف والنظام أم بأسباب اخرى أم بأسباب مشتركة، وهل بدأ انهيار الطائف مع الانهيار المأسوي المالي والاقتصادي والاجتماعي، أم ترانا امام احتمال ثالث لم تتبين معالمه الكاملة بعد؟

الواقع ان شهرين من عمر الانتفاضة الشعبية اللبنانية الاكبر والأضخم، اقله من ناحية الحجم المتسع والعابر لكل المناطق والطوائف والاتجاهات الحزبية والسياسية والطبقات والفئات الاجتماعية في لبنان كما في عالم الانتشار اللبناني الرحب، باتا يكفيان للإثبات ان من الخصائص الفريدة للثورة الشعبية هذه انها لم تكن انقلابية على النظام والدستور والطائف فيما هي تستهدف السلطات المنبثقة من هذا النظام لأهداف حصرية تتصل بمنظومة الفساد في المقام الاول. لقد شكلت هذه الناحية نقطة جذب لافتة للاهتمامات والرصد الدقيق لخصائص الثورة او الانتفاضة، خصوصا مع الارتفاع الملحوظ جدا للنبض اليساري والشيوعي في الكثير من ادبيات الانتفاضة نظرا الى طغيان العامل الاقتصادي والمالي والاجتماعي على مطالب المنتفضين وأهدافهم وشعاراتهم، كما على سلوكيات الثورة التعبيرية وتظاهراتها واعتصاماتها وتجمعاتها في الساحات والشوارع والطرق. لا بل ان فرادة نجحت في جعل الانتفاضة تتجنب او تؤخر الى مدى أقصى على الاقل إقحامها في الانقسامات الداخلية التقليدية الطائفية والحزبية والمذهبية والمناطقية، تمثلت في ان الانتفاضة نفسها اظهرت احتراما والتزاما للدستور والطائف اكثر من معظم الطبقة الرسمية والسياسية التي تستهدفها الثورة، بدليل ان اي مطلب للمنتفضين لم يبلغ مستوى الانقلاب على الدستور، بل استندت كل مطالبهم الى تنفيذ القوانين المرعية الإجراء والتقيد بالدستور. ولكن هل تكفي هذه الناحية اللافتة من سلوكيات الانتفاضة الاحتجاجية الاكبر في تاريخ لبنان للقول ان الطائف لم يستهدَف وانه صار في منأى عن تداعيات الزلزال الذي يشهده لبنان منذ شهرين والمفتوح على مزيد غامض من الوقت والتطورات والأخطار؟

بطبيعة الحال تختلف الرؤية الى المستقبل الدستوري للبنان تبعاً للمواقع السياسية والطائفية التي أضيف اليها بقوة لاعب وعامل قوي جديد هو العامل الاحتجاجي المحصّن موقعه بفيتو يستحيل تجاوزه بعد الآن. ولكن من الناحية الموضوعية الصرف، يستحيل فصل الانقلاب الواقعي الذي نقل لبنان من مقلب الى آخر ومن ضفة الى أخرى بهذا الشكل المذهل عن خلفيات العقود الثلاثة من عصر الطائف، خصوصا ان جوهر الثورة هو محاكمة الطبقات والعهود والحكومات والادارات التي تعاقبت على السلطة منذ بدء عصر الطائف، سواء استغل الميثاق والدستور وسخّرا في مسار قاتم متراكم من السياسات والممارسات الفاسدة والخاطئة، أم شكَّل ذلك ظلما للميثاق ولبعض السياسيين والأحزاب. في مطلق الاحوال، لن يبقى الطائف الدستوري والسياسي في منأى عن تداعيات الممارسات واللاعبين الذين تناوبوا على السلطة والدولة ولعبوا الأدوار المتفاوتة في دفعها الى الانهيار منذ ثلاثة عقود، والذين باتوا الآن في الواجهة المباشرة الاتهامية على يد الانتفاضة، ولو نجم عن ذلك اسقاط وتجاهل المسؤوليات التاريخية للاعبين اقوى وأسوأ واشد وطأة على تراكم الفساد وتحديدا الوصاية السورية. فكيف يمكن تصور دولة تنهار وينجو ميثاقها إلا بأعجوبة؟ 

الأكثر قراءة

الخليج العربي 10/20/2026 3:10:00 PM
استأنف مطار الملك خالد الدولي عمله، فيما حدّثت شركات طيران دولية مواعيد رحلاتها إلى وجهات سعودية، وأعادت الخطوط الماليزية تشغيل رحلات جدة والمدينة المنورة.
شمال إفريقيا 10/20/2026 12:56:00 PM
استنفار إسعافي عقب تصادم حافلة ركاب وشاحنة نقل ثقيل على طريق القاهرة–أسيوط الصحراوي الغربي، وتوجيهات بتقديم مساعدات عاجلة للمتضرّرين.
لبنان 10/19/2026 12:33:00 PM
ما هي القضية؟ إلى أي عام تعود؟ وما هي حيثياتها؟