.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
الوجع لا دين له والجوع لا طائفة له، وفي 17 تشرين الاول 2019 أُسقطت مقولة أن اللبنانيين هم قطعانٌ طائفية وليسوا شعبا واحدا، فكانت الثورة التي أسقطت شياطين الطائفية والمذهبية التي نجحت في الماضي في إجهاض مطالب الشعب وأخذته الى الفشل والجنون والمتاريس والحروب الاهلية.
اليوم هناك دينامية أرساها 17 تشرين الاول لن تستطيع أية سلطة آتية، أياً يكن شكلها، وقفها أو تجاهلها. ففي هذا الزمن الرديء نعيش أزمة ضمير وأزمة أخلاق، وسرطان الفساد بات في حاجة الى طبيب اختصاصي لاقتلاعه وليس الى طبيب مصاب به.
إن بعض فصول الفساد التي طاولت اللبنانيين في أموالهم ولقمة عيشهم طاولت بصورة مباشرة القطاع الصحي أيضاً، فاهتزت الثقة التي تشكل حجر الزاوية في بنيان الوطن. قال جبران خليل جبران: "كل شيء ممكن أن تكون له فرصة ثانية إلا الثقة". فالثقة كالمزهرية حالما تنكسر لن تعود ابدا كما كانت حتى لو أصلحتها.
عُرفَ لبنان لسنوات طويلة بمستشفى الشرق، وأطباؤه كانوا عموده الفقري ونخبة النخب وكانوا سبّاقين في صنع شمعة لبنان وفرادته وريادته. فالجسم الطبي يساهم في 7% من الناتج القومي المحلي ويشكل 17% من قطاع توظيف الخدمات في لبنان، والسياحة الاستشفائية كانت عنصرا مهما جدا في تطوير الاقتصاد الوطني وتفعيل الدخل القومي. أما أطباء اليوم فسيكملون ما بدأه الأوّلون آباء هذه المهنة وأجدادها مرورا بكل الذين تعاقبوا على النضال من أجل هذه الرسالة والذين لمعوا في لبنان وخارجه وعلّقوا أوسمةً على صدر هذا الوطن.
إن غياب السياسة الصحية الرسمية وانعدام الخطط الحكومية لتنظيم القطاع الصحي في لبنان، فتح باب الفساد على مصراعيه، اضافة الى الانهيار الاقتصادي، مما أدى الى ارتفاع عشوائي غير مبرر في نفقات الصحة التي باتت تشكل 7.5% من الناتج القومي، مع العلم أن نحو 90% من سوق الاستشفاء في لبنان هو بيد القطاع الخاص. فثورة 17 تشرين الاول هي ثورة كل من يموت على أبواب المستشفيات وكل من لا يقدر أن يعلم أولاده وكل من ليس له ضمان شيخوخة. فهي اذاً ثورة الاكثرية في لبنان التي اختنقت من رائحة النفايات ومن الضغط الاقتصادي والمعيشي ويئست من طبقة سياسية فاسدة. كل هذه التراكمات غير المألوفة في أسوأ انحطاطات السياسة تجمعت في مليون بشري أو اكثر تركوا منازلهم وخرجوا في حشود على الطرق تحكي عن الجوع والبطالة وفسق الفساد، فكانت ثورة البطون الجائعة والجيوب الفارغة والعقول المنظمة، وتصدرت المطالب الصحية والاجتماعية مطالب الشعب.