.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
كأن لأحداث الشهرين الماضيين ثلاثة وجوه ظاهرة: رئيس الحكومة، سعد الحريري، ورئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل، ووجه الثورة المتعدّد وغير المعلن، وريثان لنظام قديم وطبقة سياسية متقادمة، وفئة وليدة من الناس تطلب، في عمق وأصالة، استعادة لبنان من "الشركة القابضة" قبل حلول النزع الأخير. خرج الحريري من الصورة مبكّراً، معترفاً بالخطأ والتقصير وضياع الوقت، وخرج باسيل على رأس تظاهرة كبرى إلى قصر بعبدا، دفاعاً عن الإرث والمورّث، واستمرّت الثورة تخرج كل يوم، في كل الأمكنة، ذكية، بسيطة وخفيفة الظلّ، أمّهات وأطفالاً وشباباً وعبقريّة التحرّك. ومثل "ثورة القرنفل" في البرتغال أوائل السبعينات، تعانق الثوّار مع الجيش وقوى الأمن، وأطلّت الكنيسة تبارك أبناءها وما يطلبون من حقوق وارتقاء وكفاية.
كل الثورات تبحث، من أجل التعبئة، عن بطل تلحق به، وضحية تثير عطف الناس والتفافهم حولها. ولمّا كانت شخصية الحريري طيّبة على رغم أخطائه وتنازلاته، فقد اختار الثوّار الوزير جبران باسيل مثالاً للنقمة، متجاوزين في مهاجمته حدوداً وأعرافاً كثيرة. وإذ اعتكف الحريري خلف صمته، استمرّ باسيل في اقتحاماته، خلف الستار وأمامه. الحريري لا يريده وهو يدبر حكومة من دونه. وفي عناد الوريثين، راح الوقت يرزح والدستور يسخّر، والطبقة السياسية تتصرّف على أساس أن الأرض والناس والمصير، مجرّد قطيع ضال لا بدّ أن يُساق إلى الطاعة. الناس ترتعد خوفاً والسلطة السياسية تتبارى في الصغارات وفي تبرير المواقف الصمّاء والمشاعر العمياء.
فرطت التسوية وكان على اللبنانيين أن يدفعوا ثمن انفراطها كما دفعوا ثمن توليفها. وصار المهمّ البحث عن وسيلة تسقط فيها التسوية ويبقى أصحابها. وتوقّفت تماماً اللقاءات بين رئيس الوزراء ووزير الوزراء، بعيداً من كل أصول المناصب وأعراف الأصول. وبدأ البحث عن رئيس للوزراء في أنحاء البلاد والديار، بينما رئيس الوزراء نفسه لا يُدعى إلى لقاءات بعبدا حيث تُبحث القضايا الوطنية والحكومية العاجلة. لعلّ سعد الحريري أدرك أن سياسية التنازلات تبدأ في مكان ولا تنتهي في أيّ مكان. لذلك عندما طالب بحكومة اختصاصيين، قيل له إن رئيسها يجب أن يكون اختصاصياً هو أيضاً، ومع أن رئاسة الوزراء، مثل رئاستي الجمهورية والبرلمان، بالاختيار النيابي، وهو منصب وطني تنفيذي، يمثل توازن الداخل وسلامة السياسة الخارجية. فأيّ نوع من الاختصاصات يُفترض أن يحمل؟ الأجيال بلا مدارس، والأفران بلا طحين، والجيش وقوى الأمن منهكون في الشوارع، والإفلاسات في كلّ مكان والفقر على الشرفات، والوريثان يتصارعان: ضربة قاضية أم بالنقاط. حكومة مع، أو من دون. ولكن ما دمت في هذا النظام، فكيف يمكن أن تشكّل حكومة لا يتمثل فيها "التيار الوطني الحر"؟ إنك بذلك، تقلّد تماماً فلسفة ورؤية الوزير باسيل الذي يعتبر الأحزاب المسيحية هوامش ميتة والأحزاب الأخرى في حاجة إليه. وأما سعد الحريري الذي كان شريكه في اتفاقات كثيرة، إضافة إلى التسوية، فليس له سوى أن يدفع الثمن، خصماً أو شريكاً. "وان واي تيكت".