الدستور لا يضعه سياسيّون بل قانونيّون يستعينون بهم
Smaller Bigger

اجتماع النوّاب اللبنانيّين في مدينة الطائف كان ضرورة أو في أي مدينة عربيّة وربّما غير عربيّة، لأنّ الحروب بينهم توسَّعت وتطوَّرت واحتدمت وتدخّلت فيها مباشرة وبالواسطة جهات عربيّة مثل الوجود الفلسطيني المُسلّح في بلادهم وسوريا حافظ الأسد وعدوّة الجميع إسرائيل، وكذلك لأنّها صارت أيضاً بين المُنتمين إلى الديانة نفسها (حرب الإلغاء بين العماد ميشال عون والجيش من جهة و"القوات اللبنانيّة" من جهة أخرى – الحرب بين "حركة أمل" الشيعيّة و"حزب الله"). وبدا بوضوح في حينه أنّ الحلّ اللبناني – اللبناني صار مُستحيلاً وصار التوصّل إليه في حاجة إلى اجتماع ترعاه دول أجنبيّة وعربيّة. من هنا لا يعترض القانوني – السياسي البارز نفسه على ضرورة اجتماع الطائف. لكنّه يصبّ اعتراضه على الطريقة التي سارت فيها المناقشات داخله وعلى إدارتها، كما على الحجم الكبير لدور الدولة المُضيفة وهي المملكة العربيّة السعوديّة التي كانت تريد إنجاز اتفاق بأيّ ثمن ولاعتبارات متنوّعة يوقف الحرب في لبنان ولا يزعج سوريا ودورها فيه واستراتيجيّتها الداخليّة والإقليميّة. طبعاً لم يُعطِ "الموقف هذا النهار" محضر جلسات الطائف، علماً أنّ اللبنانيّين احتاجوا في حينه ويحتاجون أكثر الآن إليه بعدما عادت الخلافات بينهم واستفحلت الأمر الذي أحيا انقساماتهم الدينيّة والانقسامات المذهبيّة الدفينة، ووضع البلاد على شفير فوضى خطيرة سياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة ونقديّة واجتماعيّة. ويبدو أنّها بدأت ولا شيء يمنع تحوّلها حرباً أهليّة أو خضّة كبيرة لا تنتهي إلّا بانهيار "اتفاق الطائف" أو بالأحرى تكريس انهياره، وببدء البحث في اتفاق جديد ولكن على نحو غير مباشر لأنّ رُعاته المعروفين لا تزال الخلافات الحادّة تغرقهم رغم اقتناعهم المُشترك بضرورة أدوارهم في لبنان كما في المنطقة.

كيف بدأت اجتماعات الطائف؟ "بدأت"، يُجيب القانوني – السياسي البارز نفسه "بتوزيع أوراق على النوّاب المُجتمعين تتضمّن الأفكار الأساسيّة المُعدّة سابقاً من أكثر من جهة كان اسم المملكة وشعارها عليها". ويُشير إلى أنّ النائب حسن الرفاعي المعروف بقُدراته القانونيّة أمضى الليل كلّه في درسها. لكنّها لم "تخرط رأسه" أي لم تدخل رأسه أو تُقنعه. وفي سياق التشاور بين النوّاب تبادل الرأي مع الرئيس الشهيد رشيد كرامي حول موضوع رئاسة الحكومة والطريقة الأفضل لاختيار من يشغلها، فسمع منه اعتراضاً على الطريقة السابقة لتعيين رئيس الوزراء أو الحكومة، مثل أنّ رئيس الجمهوريّة "يعيّننا ويستبدّ فينا، فلينتخبنا مجلس النوّاب". فكان رأي الرفاعي: "قال لي مرّة نائب بارز أنّه يريد مبلغاً ماليّاً لينتخبني لموقع كهذا. اختيار رئيس الحكومة في المجلس النيابي يفتح باب المُتاجرة. في رأيي الاستشارات النيابيّة المُلزمة من قبل رئيس الجمهوريّة تبقى أفضل وأضمن، علماً أنّها ليست الخيار الأمثل"، وتمّ تبنّي ذلك في الطائف. وفي اليوم الثاني للاجتماعات اقترح الرفاعي اختيار لجنة سداسيّة تمثّل طوائف لبنان يترأّسها القانوني المُقتدر جدّاً جوزف شاوول وإعطاءها 24 ساعة لنحصل على النتيجة الأفضل. وبرّر اقتراحه بالقول أن الدستور لا يضعه سياسيّون بل قانونيّون يستعينون بهم. وهذا أمر يُمارسه المسؤولون الكبار في الدول المُتحضِّرة المحترمة للقانون. فالرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران أراد يوماً تعديل مادّتين من قانون مُعيّن (محاسبة الرؤساء والوزراء)، فألّف لجنة من عشرة قانونيّين برئاسة العلامة فيديل. لكن بدا أن الرفاعي وعدداً من زملائه في الطائف في واد والآخرون في وادٍ آخر. طبعاً استمرّ البحث لكن الرفاعي استمرّ في الاعتراض معتبراً أن أخطاء كثيرة تُرتكب. فقال ساعتها الرئيس الراحل صائب سلام لوزير الخارجيّة السعودي الراحل الأمير سعود الفيصل: "سكوت حسن الرفاعي يُخيف". فحصل لقاء بين الاثنين في اليوم التالي وسأل الأخير عن مواقفه واعتراضاته. فكان جوابه: "مُصيبةٌ إذا طُبّقت هذه الصيغة وكارثة إذا لم تُطبَّق". ثمّ شرح له رأيه بالتفصيل. فكان تعليقه: "ما عارفين ماذا يُرضي الدكتور الرفاعي". فعلّق الأخير: "أنا لا أحمل دكتوراه يا سموّ الأمير".