أنتم حبرُنا

16 كانون الأول 2019 | 00:06

أنتم حبرُنا.

يصارع الاعلام الحرّ من أجل البقاء في عالم تكثرُ فيه التحوّلات التكنولوجية والاقتصادية، وتتعقد فيه الأزمات السياسية والأمنية. "النهار" واحدة من المؤسسات الاعلامية التي عانت منذ تأسيسها مخاض هذه التحوّلات، وتمكنتْ بفضل وفاء قرائها وثقتهم واصرارها على التمسك بخط التنوع والتعددية والرأي الحرّ، من الصمود، على رغم الاغتيالات والاعتقالات والصعوبات ومحاولات التضييق بكل أشكالها.

إن ايمان "النهار" بروح الصحافة ورسالتها هو صنو الايمان بوجود لبنان الذي لا تستقيم علة وجوده من دون مجتمع ديموقراطي، تضطلع الأقلام الحرّة بدورها الطليعي فيه بالمساهمة في صناعة رأي عام واعٍ ومسؤول حيال قضاياه.

وعلى أعتاب مئوية لبنان الكبير، تشعر "النهار" بالاعتزاز والامتنان لقرائها لأنها كانت مدى عقود، منهم ولهم، صرحاً وطنياً صاخباً وضاجاً بأفكار الحرية والعدالة والوطنية والمساواة والقانون والثقافة والحداثة. وتمكّن كبارُها المتعاقبون من ترك بصماتهم في الذاكرة الوطنية والوجدان الفكري، فنرى أجيالاً اليوم تقرأ في مدرسة غسان تويني الصحافية والوطنية، وأخرى تردد قسَم جبران تويني في ساحات الانتفاض على الظلم والفساد وهشاشة الدولة.

وبين غسان وجبران، كتابٌ وصحافيون خطّوا بالحبر معاني الحرية والحرفية الصحافية، فتمكنوا من تحويل الصحيفة ديواناً سياسياً وثقافياً وأدبياً تحلقت فيه النخب المفكرة التي كان لها دورها في مسار الحكم والسلطة، وتأثّرَ بانتاجاتها جيلٌ من الشباب الذي لا يزال يتوارث شعلة وطنية تدافع عن قيم لبنان والانسان ومعنى وجودهما.

ولا شك في أن نهج "النهار" ودورها، حامية للدولة والاستقلال والمهنة، كانا مصدر ازعاج لكل مستبد ومجرم وفاسد، فتوالت عمليات القمع والاسكات والإيذاء وصولاً الى الاغتيال. وتحوّلت دماء سمير قصير وجبران تويني أيقونة ثورية مستمرة تذّكر بأثمان الكلمة الحرة واستعداد "النهار" لمواجهة الطغاة مهما اختلفت أسماؤهم ووجوههم.

كل ذلك مقدمة لابدّ منها في معرض تجديد اعلاننا اليوم بكل قوة وثقة رفض الموت والاستسلام اللذين أُريدا لنا، وتجديد العهد على بذل الجهود، كل الجهود، من أجل الحفاظ على هذا الصرح الوطني الذي تجري دماؤه في عروقنا.

وتكمن الجهود في خطط عمل مستمرة ومشاريع لا تتوقف، ورقياً والكترونياً، بالكلمة والصورة، ومواكبة لكل تطورات الصحافة الحديثة التي تستنبط مفاهيم متجددة للشراكة مع القارئ نظراً إلى العلاقة المصلحية الصحيّة التي تربط بين وجود الصحافة ووجود مجتمع حيّ ومتنور.

نشهدُ اليوم لحظة مأزومة غير مسبوقة في بلدِنا، ونرى توالي فصول الأزمة الاقتصادية التي تضربُ المؤسسات وتهدّد وجودَها، فتعجزُ عن تسديد رواتب موظفيها وتجد نفسها في المجهول. ويتضاعف أثر الأزمة في القطاع الاعلامي الذي يعاني أصلاً تراجعاً في عائدات السوق الاعلاني، فكيف في ظل الأزمة التي جعلت المعلنين ينكفئون أكثر فأكثر؟

في هذه اللحظة التي تتزايد فيها الأخطار على وجود الصحافة، أطلقت "النهار" حملة #donateink لمن يرغب من القراء والمتابعين في دعم مسار استمرار صحافتنا المستقلة ووجودها، وتمكين صحافيينا من أداء مهماتهم على أكمل وجه، ومساندة نهجهم بالاستعداد لتحمل المخاطر والتضحية في سبيل الكلمة وايمانهم برسالة مهنتهم.

لا شيء يساوي الدماء التي سالت من أجل الحرية. تكاتفنا اليوم من أجل الاستمرار والتحدّي هو دليل واضح على أن تلك الدماء لم تذهب هدراً. الحبر سيدافع عن الدم.

إظهار التعليقات

يلفت موقع النهار الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard