ثورة الشلاعيط وجمهورية الجبابرة
Smaller Bigger

"رجال السياسة لا يعرفون شيئاً عن البؤس إلا من خلال الإحصاءات. والمرء لا يبكي أمام الأرقام".

الأب بيار

هل يشاهد المسؤولون الأخبار أم يكتفون بقراءة التقارير الملخّصة التي توضع على مكاتبهم خلال فترة معيّنة؟ الأرجح أن وقتهم لا يسمح بالمشاهدة. ولا التأمّل. بعد ملحمة زمنية رأينا فيها الأمهات والآباء والأبناء، وساحات جميع المدن، وانتحارات جميع الساحات واستغاثات الفقراء وبؤساء السكن في ما هو أسوأ من المقابر المفتوحة - فكّرت السلطة قليلاً وأعلنت أن الحلّ هو المهندس سمير الخطيب.

رقيق قلب السلطة. هكذا تأمّلت الوجوه الملهوفة والأفئدة الخائفة والعقول المذعورة أمام حالة الفزع العام، فقدّمت للخوف من المجهول رجلاً غير معروف. وقد شبّه البعض ترشيح المهندس سمير الخطيب خلف الأبواب بتكليف الدكتور أمين الحافظ. دعكم من التسرّع: أمين الحافظ الذي انقضّ عليه رؤساء الحكومات، جاء من البرلمان، وكان نائباً عن طرابلس، واختلط بالناس أستاذاً جامعياً وعمل في الصحافة ووجهاً من وجوه المجتمع الثقافي. لم يكن أمين الحافظ اسماً مجهولاً في الحقل العام ولا طارئاً على العمل السياسي.

كانت للرئيس الحافظ سمات كثيرة، ليس بينها أنه جزء من النادي المالي الذي أصبحت عضويته شرطاً للانضمام إلى العمل السياسي، سواء كان مقعداً نيابياً أو حقيبة وزارية فارغة، خاوية من عمل أو مهمّة، سوى حمل لقب التعالي. نادٍ تُوزَّع عضويّته من دون حساب في الدخول أو محاسبة في الخروج. شهادة فخرية مثل العشق الأفلاطوني: محسوب على المحبّين وليس على الحبّ.

يعذرنا الأستاذ سمير الخطيب. في الأيام الأخيرة، أطبقت على صدورنا مشاهد أفقدتنا عصب التفاؤل والرهان على تجارب جديدة. لم يبقَ وقت للانتظار والصبر. السلطة تحصي الكتل ورجل يحرق نفسه لأن ابنته طلبت منه ألف ليرة ليست لديه. إن مناخ الانتحار وباء. ففي اليأس العام، تتفجّر الأحزان الخاصّة ويصبح الموت ملاذاً مقبولاً، بل أمنية كما قال المتنبي: كفى بك داء أن ترى الموت شافياً. منذ سنوات لم نسمع عن حالة انتحار. ألا يقال دوماً إن اللبناني أكثر الشعوب حبّاً بالحياة، وإنه "عيّيش" من الدرجة الأولى؟ (Bon viveur)

جلست في منتدى الإعلام السعودي في الرياض إلى جانب أستاذ من دبي. بدل أن يسألني عن لبنان، كما يفعل الجميع، فضّل أن يحدّثني عنه: "عرفت لبنان مذ كنت أجيئه مع أهلي، عرفت اللبناني يقترض ليدعوك إلى العشاء. ويستدين لكي تكون ربطة عنقه أغلى من ربطة صاحبه. ويلزم نفسه الكمبيالات لشراء سيارة. هذه أول مرة أسمعه يشكو ويئنّ. وقد بكيت ملء دموعي عندما شاهدت صبية تقول إنها أخذت والدها إلى المستشفى فرفضوا استقباله لفقره".