متى أم الكارتيلات؟
Smaller Bigger

لعلها من المفارقات الساخرة الا تلاقي المأثرة التي تفاخر بها وزارة الطاقة بإقامة اول مناقصة لاستيراد البنزين وكسر احتكار كارتيل النفط ما كانت ترجوه من عرفان بل جاءت الشكوك السريعة لتطغى على "الإنجاز "المفترض. هل ترانا اذا امام رأي عام لبناني أصيب بمرض "الاسترابة" والتهوس والرفض للرفض؟ ام ترانا امام انفجار كل المنظومات التي تعاقبت على السياسة في العقود التي تلت نهاية الحرب في لبنان بما يستحيل معها الرهان على مرحلة انتقالية تعايشية بين السلطة الناشئة عن آخر انتخابات نيابية والثورة التي يعتمل بها لبنان حاليا؟ اغلب الظن ان الاحتمال الثاني بدأ يرسم معالمه بقوة ويشكل التحدي الاشد وطأة على مجمل الواقع الانهياري الذي يتدحرج اليه البلد بسرعة مخيفة ما لم يصح بعض الرهانات الضعيفة جدا على اختبار حاسم للمجتمع الدولي في شأن انقاذ لبنان بجرعات تمنع انهياره الدراماتيكي في اللحظات الحاسمة. فعينة المناقصة التي جاءت من وزارة بعينها ليست سوى نموذج مصغر على الانفجار النهائي لبقايا الثقة لدى الناس بالسلطة ولو فرضنا جدلا ان هذه المناقصة لا تشوبها شائبة ولو أخذنا بالكامل بكل الدفاعات التي ادلى بها المعنيون بها تنزيها لنتائجها عن الشكوك والاتهامات. انها في الواقع مسألة تتجاوز حتى اقوى الكارتيلات الاقتصادية التي تحوم حولها الشبهات المزمنة والمعروفة الى الكارتيلات السياسية الطوائفية والمذهبية المعتملة في عمق الدولة والسلطة والمؤسسات والادارات والتي امعنت امعانا فظيعا في تحويل مفهوم الدولة وممارسات السلطة الى ما حول لبنان الى إقطاعات يعشعش فيها الفساد ويرتع فوق رؤوس الناس ويتحكم بمصيرهم بالكامل. حتى الساعة وعلى رغم كل المآسي الدراماتيكية التي تتعاقب على يوميات بلد كان درة فريدة في محيطه وصار الآن في مقدم الدول الفاشلة والاكثر مديونية في العالم مهددا بانهيار غير مسبوق، لا تزال كارتيلات السياسة تحكم قبضتها على سيناريوات الإنقاذ التي لا مناص منها ولا مفر اذا اريد للبنان تجنب الانزلاق الاخير نحو قعر الهاوية. وهذا الجاري في مجريات الازمة الحكومية ومشتقاتها في ما يتصل بالعلاقات بين القوى السياسية والحزبية وما تخلله من تعاظم مستعاد للمرجعيات الدينية لن يؤدي الا الى تعميق الأثر المدمر للكارتيلات السياسية خصوصا اذا أديرت المرحلة الاخيرة من الاستحقاق الحكومي بمفهوم تعويم التسوية الرئاسية التي أتت بالعهد الحالي. لن تقوم قائمة للبلد بحكومة كارتيلات سياسية منهارة ومتسببة بالنهاية في الانهيار الافلاسي للبنان. ولم يعد ممكنا العودة الى استحالات مثلما يحاول فعله بعض القوى التي اصيبت بعمى الألوان من خلال الاختباء وراء شرعية الانتخابات النيابية الاخيرة لتجاهل تمزق كل الشرعيات واحتراقها في شارع الثورة المحتدم بنار الغضب والجوع. ومع اننا لا نكتم خشية كبيرة تتنامى لدينا من شعارات شمولية غالبا ما تؤسس لاتجاهات متسلطة ديكتاتورية فان الشعار الأم لانتفاضة 17 تشرين الاول "كلن يعني كلن" نراه محقا بالكامل في نقطة موضعية محددة على الاقل تتصل بفكفكة كارتيلات المحاصصات السياسية والطائفية كممر لا مفر منه لتفكيك كارتيلات الاقتصاد واحتكاراتها إيذانا بعصر آخر والا عبثا كل الثورات وكل الشعارات وكل الاوهام.

[email protected]